كشف مصدر مطلع بوزارة التموين المصرية حذف نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم التمويني خلال يونيو، ضمن مراجعة حكومية موسعة لبيانات المستفيدين، بما يهدد آلاف الأسر بفقدان السلع والخبز في توقيت تضغط فيه الأسعار على الغذاء اليومي.

 

وجاء القرار في سياق اقتصادي لا يتحمل فيه المواطن رفاهية فقدان بطاقة التموين، لأن الحكومة لا تنقي قاعدة بيانات فقط، بل تنقل عبء الأزمة المالية إلى الأسر التي تعتمد على الخبز والزيت والسكر كحد أدنى للبقاء.

 

غربلة يونيو تضرب بطاقات التموين بمعايير ملكية وإنفاق

 

وبحسب المصدر، اعتمدت وزارة التموين على مراجعة بيانات الدخل والإنفاق والأصول والسجلات الحكومية المختلفة، وهي صيغة تمنح القرار مظهرًا إداريًا، بينما تضع حياة الأسرة كلها تحت تقدير قاعدة بيانات قد تخطئ أو تتأخر.

 

كما شملت معايير الاستبعاد المقيمين في المجمعات السكنية الفاخرة، والأسر التي تدرس أبناءها في مدارس دولية أو خاصة مرتفعة التكلفة، وهي معايير تربط الاستحقاق بمؤشرات إنفاق لا تفسر دائمًا ظروف الأسرة الفعلية.

 

ثم امتدت القوائم إلى مالكي السيارات الفارهة التي تزيد سعتها على 1600 سي سي، وأصحاب الدخول الشهرية التي تتجاوز 24 ألف جنيه، وأصحاب الشركات والسجلات التجارية، بما يوسع دائرة الحذف إلى شرائح مختلفة.

 

كذلك ضمت الفئات المستبعدة من صدرت ضدهم محاضر سرقة تيار كهربائي، والحاصلين على معاشات دون وجه حق، ومالكي أكثر من 10 أفدنة زراعية، وهي بنود تخلط بين المخالفة القانونية والملكية والدخل في قرار واحد.

 

ومنذ سنوات، تقدم الحكومة هذه العملية باعتبارها تنقية لقواعد البيانات وضمانًا لوصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، لكن نتائجها العملية تظهر في كل مرة عبر تقليص عدد المستفيدين بدل توسيع الحماية.

 

وفي هذا السياق، قال الاقتصادي جودة عبد الخالق إن اتجاه الحكومة إلى الدعم النقدي بدا كقرار معد مسبقًا، وإن الحوار حوله قد يتحول إلى غطاء لتجميل قرار حكومي لا إلى نقاش حقيقي حول مصير الفقراء.

 

لذلك لا يبدو حذف 850 ألف مواطن خطوة منفصلة، لأن القرار يأتي بعد سنوات من حذف مستفيدين من بطاقات التموين، بينما بقيت قيمة الدعم التمويني للفرد عند مستويات هزيلة أمام موجات الغلاء المتلاحقة.

 

وعلى الأرض، لا يعرف كثير من المواطنين سبب الحذف إلا عند محاولة صرف الخبز أو السلع، ثم تبدأ رحلة البحث عن سبب إداري غامض، بين مكتب التموين والمنصة الرقمية والمستندات المطلوبة لإثبات الاستحقاق.

 

التظلمات تبدأ بعد الحذف وتضع العبء على المواطن

 

وأعلنت وزارة التموين فتح باب التظلمات أمام المتضررين، لكنها اشترطت تحديث بيانات الدخل والإنفاق والأملاك والحيازات عبر منصة مصر الرقمية اعتبارًا من 14 يونيو، قبل تقديم طلب الاعتراض إلى مكتب التموين.

 

وبذلك يتحول المواطن من صاحب حق في الدعم إلى متهم عليه إثبات براءته من الثراء، لأن الوزارة تحذف أولًا، ثم تطلب من الأسرة أن تجمع مستنداتها وتطارد الجهات المختلفة لاستعادة بطاقة قد تكون مصدر غذائها.

 

بعد ذلك، يلزم المواطن بإرفاق مستندات تثبت أحقيته في الدعم، مع ما يثبت تحديث بياناته، ثم يتوجه إلى مكتب التموين المختص لتقديم التظلم، وشرح أسباب الاعتراض على قرار الاستبعاد.

 

وتتولى مكاتب التموين استقبال الطلبات ومراجعة المستندات، ثم إرسال الملفات كل 10 أيام إلى إدارات التفتيش الفني بالمديريات، قبل رفع الكشوف الجماعية إلى الوزارة لدراسة الحالات كل 15 يومًا.

 

وفي هذه المدة، لا يدفع الخطأ الإداري ثمنه الموظف أو النظام الرقمي، بل تدفعه الأسرة التي قد تفقد الخبز والسلع الأساسية، بينما تنتظر قرارًا جديدًا يعيدها إلى المنظومة أو يؤكد استبعادها.

 

كما طلبت الوزارة إرسال التظلم موضحًا به سبب الحذف إلى مركز خدمة العملاء التابع لشركة توبيا تكنولوجي بوزارة الإنتاج الحربي عبر الخط الساخن 19959، بما يضيف مسارًا آخر على المواطن المرهق.

 

ويرى وائل جمال، رئيس وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تقليص الإنفاق يرتبط بسعي الحكومة لتحقيق فائض أولي عبر سياسات تقشف عنيفة، بينما تلتهم الديون وفوائدها الحيز الأكبر من الموازنة.

 

وتخدم هذه القراءة محور التظلمات بوضوح، لأن المشكلة لا تقف عند استمارة ناقصة أو بيان غير محدث، بل تتعلق بسياسة مالية تختار الضغط على الدعم بدل مراجعة أولويات الإنفاق والدين والفوائد.

 

لذلك يصبح باب التظلم ضمانة شكلية ما لم يترافق مع وقف الحذف لحين الفصل في الاعتراض، لأن المواطن الذي يفقد الدعم لا يحتاج إلى وعد إداري بعد أسبوعين، بل يحتاج إلى غذاء يومي بلا انقطاع.

 

الدعم النقدي يحول الخبز إلى رقم تأكله الأسعار

 

وتأتي موجة الحذف بالتزامن مع توجه أوسع نحو تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي جزئي أو كلي، وهو تحول تقدمه الحكومة باعتباره زيادة للكفاءة ومرونة في الاختيار، لكنه يفتح بابًا مباشرًا لتآكل القيمة.

 

وأوضحت تصريحات رسمية أن المواطن لن يحصل على أموال مباشرة، بل على قيمة مالية على البطاقة يشتري بها الخبز والسلع من المخابز والمنافذ التموينية والمجمعات ومشروع جمعيتي، ضمن ما يسمى محفظة سلعية مالية.

 

غير أن تحويل كميات الخبز والسلع إلى أرقام مالية بالأسعار الحرة يغير جوهر الحماية، لأن الدعم العيني يضمن كمية محددة نسبيًا، بينما يفقد المبلغ النقدي قوته فور ارتفاع الأسعار أو تحريك أسعار السلع.

 

وفي تقرير حديث، كشفت مصادر أن تصور الدعم النقدي يشمل ضم الخبز إلى باقي السلع التموينية في بطاقة موحدة، مع بيع السلع بأسعار السوق، واستبعاد سريع لملايين المستفيدين الحاليين وفق معايير الإنفاق والملكية.

 

وبحسب هذه المعطيات، لا تقف الخطة عند حذف 850 ألف مواطن في يونيو، بل تتحرك نحو إعادة رسم خريطة الدعم كلها، من عدد المستفيدين إلى شكل الصرف، ومن الرغيف المدعم إلى البطاقة المالية.

 

وتخدم الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور حين تنبه إلى أن الدعم النقدي يفقد قيمته الحقيقية في فترات التضخم، وأن الدعم العيني، خصوصًا الخبز، يمثل حدًا أدنى من الأمن الغذائي لا مجرد بند موازنة.

 

كما تشير كتاباتها إلى أن زيادة الإنفاق الاجتماعي لا تكفي عندما تواصل السياسات الاقتصادية إنتاج الفقر، لأن المساعدات النقدية تصبح أضعف من موجات الأسعار إذا لم تتغير أسباب الغلاء وتراجع الدخول.

 

وبينما أعلنت بيانات التضخم الأخيرة ارتفاع قسم الطعام والمشروبات في مايو، تكشف الأرقام أن غذاء الأسرة لا ينتظر لجان المراجعة، لأن أسعار اللحوم والفاكهة والحبوب تتحرك أسرع من أي قرار حكومي لتعديل الدعم.

 

لهذا يهدد الدعم النقدي بتحويل الخبز من حق يومي واضح إلى مبلغ إداري قابل للتجميد، ثم يصبح المواطن أمام معادلة قاسية، إما تقليل الكمية أو دفع الفارق من دخل لم يعد يكفي أساسيات البيت.

 

وتحاول الحكومة تسويق الخطة باعتبارها ضمانًا لوصول الدعم لمستحقيه، لكنها لم تعلن بعد ضمانات عملية تمنع السقوط الخطأ، أو تكشف آلية عادلة لربط الدعم بتضخم الغذاء لا بالتضخم العام الأقل تأثيرًا.

 

ومع زيادة مخصصات دعم السلع التموينية والخبز في مشروع موازنة 2026 و2027 إلى 178 مليار جنيه، لا تبدو المشكلة في الرقم وحده، بل في طريقة توزيع العبء على المواطن بدل حماية الحق الغذائي.

 

وفي النهاية، يكشف حذف 850 ألف مواطن من التموين عن مسار أشد خطورة من قرار إداري عابر، لأن الحكومة تمهد لتقليص شبكة الدعم تحت اسم التنقية، ثم تسلم الخبز والسلع لمنطق السوق والسعر الحر.

 

ويبقى الاختبار الحقيقي في الأسر التي ستستيقظ بلا دعم أو بخبز أقل أو ببطاقة تحمل رقمًا لا يشتري ما كان يشتريه أمس، بينما تواصل الحكومة مطالبة الفقراء بإثبات فقرهم كل شهر.