كشفت وكالة أنباء الإمارات في 7 مايو 2026 من أبوظبي عن زيارة السيسي ومحمد بن زايد لمفرزة مقاتلات مصرية متمركزة داخل الدولة، بما نقل وجود الطائرات المصرية من دائرة التسريبات إلى الإعلان الرسمي.

 

وجاء الإعلان وسط حرب إقليمية بدأت في فبراير 2026 بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، ثم امتدت آثارها إلى الخليج، فظهر الجيش المصري في مشهد خارجي لم تعرض القاهرة تفاصيله على المصريين.

 

مفرزة الرافال من أبوظبي إلى سؤال الرقابة الغائبة

 

وعقب نشر الصورة، أصبح السؤال الدستوري سابقا على أي خطاب دعائي عن الأخوة العربية، لأن تمركز قوة قتالية مصرية خارج الحدود يفرض بيانا معلنا يحدد المهمة والمدة وسند القرار والجهة التي راجعته.

 

ثم زادت حساسية المشهد بعدما حددت تقارير دفاعية متخصصة الطائرات بأنها مقاتلات رافال مصرية، وهي منصة هجومية متقدمة لا ترمز إلى زيارة بروتوكولية، بل إلى مستوى أعلى من الالتزام العسكري خارج المجال المصري.

 

كما أن المادة 152 من الدستور المصري تجعل إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج البلاد مقيدا برأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب، بينما غاب أي مسار علني يشرح للمصريين طبيعة التفويض.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الباحث ماجد مندور محور الرقابة الغائبة، لأنه يربط بنية حكم السيسي بتوسع الطابع العسكري في السياسة والاقتصاد، بما يجعل القرار العام تابعا لمنطق المؤسسة لا لمنطق المساءلة.

 

لذلك لا تكمن خطورة الصورة في تفقد  الرئيسين لمفرزة الطائرات، بل في أن السلطة المصرية نقلت أداة من أدوات القوة الوطنية إلى ساحة خليجية مشتعلة، ثم تركت الجمهور أمام بيان إماراتي لا بيان مصري.

 

ومن ناحية زمنية، جاء الإعلان بعد انتقادات خليجية لمواقف عربية رأت أبوظبي أنها دون مستوى الحرب مع إيران، فظهر تمركز الطائرات كرسالة ولاء أكثر منه قرارا عسكريا مصريا مستقلا ومعلنا.

 

ولهذا يصبح تصريح السيسي القديم عن استعداد مصر للدفاع عن الخليج مسافة السكة مدخلا لفهم الثمن الحالي، لأن العبارة تحولت من وعد عام إلى تمركز عسكري مرتبط بحليف يملك نفوذا ماليا واسعا.

 

رأس الحكمة وتيران وصنافير حين تتحول الأزمة المالية إلى تنازل سيادي

 

وبعد انقلاب يوليو 2013، تلقت السلطة المصرية دعما خليجيا مباشرا، وكانت الإمارات في مقدمته عبر منح وودائع واتفاقات عاجلة، بما أسس علاقة مالية جعلت الدعم السياسي مشروطا بفواتير لاحقة.

 

ثم ظهرت أولى الفواتير الكبرى في ملف تيران وصنافير، حين قبلت الحكومة نقل الجزيرتين إلى السعودية بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية، رغم الغضب الشعبي والأحكام القضائية التي عارضت مسار التنازل.

 

ولأن الجزيرتين تقعان عند مدخل خليج العقبة ومضيق تيران، لم يكن الأمر تفصيلا حدوديا معزولا، بل انتقالا في موقع حساس ارتبط بذاكرة الحروب المصرية وبواحدة من بوابات الأمن في البحر الأحمر.

 

بعد ذلك جاءت صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024، بقيمة 35 مليار دولار، لتفتح مرحلة جديدة من تحويل الأزمة المالية إلى عقود طويلة الأثر على الأرض والساحل والقرار الاستثماري.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي تيموثي كالداس وظيفة تفسيرية واضحة، لأنه يرى أن ضخ الأموال وصفقات المدن الكبرى لا يصنع إصلاحا مستداما، ما دام نظام السياسات نفسه يواصل إنتاج الديون والامتيازات.

 

كما أن تفاصيل الصفقة كشفت أن جزءا كبيرا من القيمة ارتبط بحقوق تطوير أرض واسعة وباستخدام ودائع إماراتية سابقة، وهو ما يجعل التسمية الرسمية للاستثمار عاجزة عن إخفاء منطق المقايضة.

 

وبالتوازي، حضرت رأس جميلة في جنوب سيناء كموقع بدأت الدولة إعداد خطط لتطويره بعد صفقة رأس الحكمة، بما يعكس شهية مستمرة لتحويل المساحات الحساسة إلى مشاريع إنقاذ مالي مؤقت.

 

لذلك لا يظهر المال الخليجي في هذه الملفات كمنحة بلا أثر، بل كأداة تعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة، وتدفع السلطة إلى تسعير الجغرافيا كلما ضاق عليها سوق الدين.

 

عجز وفشل في ملف سد النهضة

 

وفي ملف سد النهضة، عجزت القاهرة عن تحويل خطاب التهديد الوجودي إلى ضغط فعال، بينما توسعت علاقات الإمارات مع إثيوبيا اقتصاديا وسياسيا، بما أضعف قدرة مصر على بناء جبهة ضغط متماسكة.

 

وهنا يخدم رأي الدكتور نادر نور الدين محور الأمن المائي، لأنه يركز على أن الخطر لا يقف عند التخزين، بل يمتد إلى إدارة التشغيل وفاقد البخر والطمي وتأثيرات طويلة على الحصة المصرية.

 

ثم تصبح المقارنة مع حرب اليمن في الستينيات ضرورية، لأن عبد الناصر أرسل الجيش إلى جغرافيا بعيدة ست سنوات، وانتهى الاستنزاف إلى إضعاف الجيش قبل نكسة 1967 بصورة لا تزال درسًا مفتوحا.

 

أما اليوم، فتبدو الصورة معكوسة لكنها تحمل العطب نفسه، إذ تتحرك مقاتلات مصرية إلى الخليج في حرب لا تشرح القاهرة علاقتها المباشرة بأمن المواطن المصري أو بقناة السويس أو بحدود مصر.

 

وبين اليمن والإمارات، يتكرر نمط القرار الفردي المغلق، حيث تتحول القوات المسلحة من أداة دفاع وطني إلى ورقة في حسابات إقليمية لا يعرف الرأي العام المصري شروطها ولا حدودها.

 

كما تكشف الديون الخارجية التي بلغت أكثر من 160 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها لاحقا، أن الدولة لا تملك هامش مناورة واسعا حين تتراكم الاستحقاقات وتتحول الودائع إلى وسيلة ضغط.

 

وعند هذه النقطة، يصبح تشبيه الامتيازات الأجنبية أكثر من استعارة تاريخية، لأن الدولة التي تعجز عن السداد تفتح أبواب الأرض والموانئ والمرافق، ثم تفقد تدريجيا حق الرفض عند لحظة القرار.

 

لذلك يطرح تمركز الرافال في الإمارات سؤالا أشد من صورة عسكرية، وهو من يملك قرار الجيش المصري حين يصبح التمويل الخارجي حاضرا في الأرض والديون والسياسة الإقليمية.

 

وفي الخاتمة، لا تبدو الأزمة في صفقة واحدة أو زيارة واحدة أو صورة واحدة، بل في نمط حكم يطلب من المصريين الثقة العمياء، ثم يبيعهم الأرض والدين والقرار باسم الاستثمار والأمن القومي.