تصاعد الجدل في مصر حول حجب مؤشرات الفقر النقدي من بحث الدخل والإنفاق، بعد سؤال عاجل قدمه النائب فريدي البياضي لرئيس الوزراء ووزيرة التخطيط، اتهم فيه الحكومة بنشر جزء من البيانات وحذف مؤشر ظل حاضرًا لعقود.

 

وجاءت الأزمة في ظل ضغط معيشي متراكم منذ سنوات، مع تدهور قيمة الجنيه من مستويات تقارب 7 جنيهات للدولار في 2013 إلى ما يقترب من 53 جنيهًا في 2026، بينما يواجه المواطنون تضخمًا مرتفعًا وفرص عمل أضعف ودخلًا لا يلاحق الأسعار.

 

غياب بحث الدخل والإنفاق يفتح باب الاتهام

 

أثار غياب أرقام الفقر الرسمية غضبًا واسعًا، لأن بحث الدخل والإنفاق يمثل الأداة الأساسية لقياس مستوى معيشة المصريين، وتحديد خط الفقر، ورسم سياسات الدعم والحماية الاجتماعية على أساس بيانات لا تقديرات سياسية.

 

وسأل البياضي الحكومة عن أسباب حجب بيانات أساسية من بحث الدخل والإنفاق لعام 2021 و2022، وحذف مؤشر الفقر النقدي لأول مرة منذ نصف قرن، والاكتفاء بمؤشر الفقر متعدد الأبعاد بدل المؤشر النقدي المباشر.

 

وبحسب آخر إعلان رسمي منشور عن بحث 2019 و2020، بلغت نسبة الفقر 29.7%، مع تحديد خط الفقر عند 857 جنيهًا شهريًا و10279 جنيهًا سنويًا، بينما بلغ حد الفقر المدقع 550 جنيهًا شهريًا.

 

لكن هذه الأرقام صدرت قبل موجات قاسية من خفض قيمة الجنيه، وقبل ارتفاعات متلاحقة في أسعار الغذاء والسكن والنقل والدواء، ما يجعل غياب التحديث الرسمي اليوم جزءًا من الأزمة لا مجرد تأخير إداري.

 

كما طرحت الإعلامية لميس الحديدي سؤالًا مباشرًا عن غياب البحث لخمس سنوات، متسائلة كيف تستهدف الحكومة الفئات الأولى بالرعاية دون معرفة عدد الفقراء وخط الفقر وتطور مستوى معيشة المصريين.

 

ورغم رد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بأن البيانات متاحة دوريًا وأن الإصدار الجديد سيكون متاحًا في منتصف أكتوبر، لم يقدم الرد رقمًا واضحًا عن عدد الفقراء ولا خط الفقر الحالي ولا أثر تراجع الجنيه.

 

الفقر متعدد الأبعاد كبديل يجمّل الصورة

 

يدور جوهر الخلاف حول اعتماد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، وهو مؤشر يقيس الحرمان في التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، لكنه لا يعكس وحده قدرة الأسرة على شراء الطعام والدواء ودفع الإيجار والفواتير.

 

وأوضح البياضي أن المؤشر الجديد أظهر نسبًا أقل من الواقع، لأنه أدخل الدعم النقدي والعيني ضمن دخل الأسرة، بما يخفض نسبة الفقر المعلنة ويجعل الصورة الرسمية أفضل من قدرة الأسر الفعلية على تلبية احتياجاتها.

 

وتكمن خطورة هذا التحول في أن تحسن بعض الخدمات قد يخفض الفقر متعدد الأبعاد، حتى إذا كان دخل الأسرة الحقيقي يتراجع أمام التضخم، وهو ما يجعل المؤشر مكملًا مهمًا لكنه لا يصلح بديلًا وحيدًا.

 

وفي تقرير 2021 و2022، ظهر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد عند 21.2% فقط، رغم أن آخر بحث نقدي سابق سجل 29.7%، وهو فارق واسع فتح تساؤلات حول دقة المقارنة وطبيعة المنهج المستخدم.

 

لذلك اعتبر منتقدون أن الحكومة لا تقيس الفقر بقدر ما تعيد تعريفه، لأن المواطن الذي يتلقى دعمًا محدودًا أو خدمة جزئية لا يصبح خارج الفقر إذا كان دخله عاجزًا عن إطعام أسرته.

 

وعادت الحديدي للتأكيد أن التوضيح الحكومي لم يرد على الأسئلة الجوهرية، ومنها عدد الفقراء في مصر، وخط الفقر الذي يجري القياس عليه، وتغير مستوى معيشة المواطنين بعد تعويمات الجنيه المتتابعة.

 

كما قال أمين سر لجنة الخطة والموازنة عبد المنعم إمام إن هناك تعمدًا حكوميًا لطمس معلومات الفقر منذ سنوات، وإن المجلس أثار الأمر عدة مرات دون الحصول على أرقام واضحة تساعد على التخطيط.

 

الجنيه المنهار يكشف الفقر الذي تخفيه الجداول

 

ولا يمكن فصل أزمة الأرقام عن انهيار القوة الشرائية، لأن خط الفقر الذي حُدد عند 857 جنيهًا شهريًا كان محسوبًا في وقت كان الدولار يدور حول 16 جنيهًا، بينما تغيرت الأسعار جذريًا بعد موجات التعويم.

 

ومع ارتفاع الدولار إلى مستويات تقترب من 53 جنيهًا، لم تعد الحدود القديمة للفقر تعبر عن الواقع، لأن الأسرة التي كانت تحتمل الحد الأدنى من الإنفاق قبل سنوات أصبحت تواجه تكلفة طعام ومواصلات وعلاج مضاعفة.

 

ونشرت وسائل إعلام محلية تقديرات تتحدث عن وصول الفقر إلى نحو 40%، في وقت تواصل الحكومة الإعلان عن زيادة الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، وإدراج أسر جديدة في برامج مثل تكافل وكرامة.

 

غير أن زيادة بنود الدعم لا تعني بالضرورة تراجع الفقر، لأن الدعم يفقد أثره عندما تسبقه الأسعار، وتتحول الزيادة النقدية إلى رقم صغير أمام تكلفة السلع الأساسية والمدارس والعلاج والديون اليومية.

 

وقال عضو الجمعية المصرية للاقتصاد التشريعي محمد أنيس إن عدم صدور بيانات الفقر يمثل مشكلة للخبراء الاقتصاديين، لأن المعلومات المتاحة منقوصة، والمؤشرات القائمة ترجح بالفعل زيادة النسب عن آخر إحصاء رسمي.

 

وأشار أنيس إلى أن معيار دولارين يوميًا للفرد يجب أن يظل أساسًا في الحسابات، معتبرًا أن إدخال نصيب الفرد من الخدمات يحسن الصورة ظاهريًا، لكنه يخفي المعدلات الحقيقية للفقر النقدي.

 

ومن هنا تتحول أزمة الفقر في مصر من سؤال اقتصادي إلى ملف سياسي واجتماعي، لأن الحكومة التي تخفي الرقم أو تؤجله تمنع المجتمع من رؤية حجم الكارثة، وتمنع البرلمان والخبراء من محاسبة السياسات.

 

وفي النهاية، لا يحتاج المصريون إلى مؤشر يخفف قسوة الجوع على الورق، بل إلى رقم صريح يعترف بحجم الفقر، وخطة تحاسب من تسبب في تآكل الدخل، وسياسات تنقذ الناس قبل أن يتحول الفقر إلى قدر رسمي باسم التنمية.