كشفت وثيقة سياسية للمنظمة الوطنية لضباط الشرطة المسلمين في بريطانيا عن توصيف واضح للصراع في فلسطين، إذ اعتبرت حماس حركة مقاومة، ووصفت الصهيونية بأنها أحد مظاهر الكراهية ضد المسلمين، كما صنفت الجيش الإسرائيلي ضمن جماعات الإرهاب الصهيوني.

 

وجاءت الوثيقة في لحظة تتآكل فيها الرواية الإسرائيلية داخل الغرب، بعدما تحولت حرب الاحتلال إلى ملف مفتوح من القتل والحصار وتوسيع الجبهات، بينما بدأ الإعلام العبري نفسه يتحدث عن فشل نتنياهو في تحقيق نصر واضح.

 

وثيقة بريطانية تقلب تعريف الإرهاب

 

طرحت المنظمة الوطنية لضباط الشرطة المسلمين في بريطانيا قراءة سياسية مباشرة للصراع، إذ تعاملت مع حماس من زاوية المقاومة ضد الاحتلال، لا من زاوية الرواية الغربية التي تمنح إسرائيل وحدها حق تعريف العنف والإرهاب.

 

كما ربطت الوثيقة بين الصهيونية والكراهية ضد المسلمين، معتبرة أن الخطاب الصهيوني ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين والمسلمين، ويمهد لتبرير القصف والحصار والقتل بوصفها إجراءات أمنية لا جرائم سياسية منظمة.

 

وفي السياق نفسه، وصفت الوثيقة الجيش الإسرائيلي ضمن جماعات الإرهاب الصهيوني، وهو توصيف يضع ممارسات الاحتلال في مكانها الطبيعي، لأن القوة التي تحتل الأرض وتقصف المدنيين لا يمكن عزلها عن معنى الإرهاب المنظم.

 

وتكتسب الوثيقة أهميتها من الجهة الصادرة عنها، لأنها لا تأتي من منصة احتجاجية عابرة، بل من منظمة تمثل ضباطًا مسلمين داخل جهاز شرطة بريطاني، وهو ما يمنح الموقف وزنًا داخل المجال العام الغربي.

 

لذلك لا تبدو الوثيقة مجرد رأي سياسي منفصل، بل تبدو كسرًا لاحتكار قديم، حيث اعتاد الخطاب الرسمي البريطاني والغربي تصنيف المقاومة الفلسطينية كخطر أمني، بينما يترك الاحتلال الإسرائيلي خارج المساءلة الأخلاقية والقانونية.

 

وتكشف هذه الصياغة أن قطاعات داخل المجتمعات المسلمة في الغرب لم تعد تقبل اللغة التي تختزل الفلسطيني في تهمة، وتتعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة طبيعية رغم سجلها الطويل في الاحتلال والقصف والتهجير.

 

الصهيونية كراهية منهجية ضد الفلسطينيين والمسلمين

 

أكدت الوثيقة أن الصهيونية تمثل مظهرًا من مظاهر الكراهية ضد المسلمين، لأن المشروع الصهيوني لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف حق الفلسطيني في الوجود والرواية والذاكرة والكرامة السياسية والإنسانية.

 

وبهذا الطرح، وضعت الوثيقة النقاش في جوهره الحقيقي، فالمشكلة ليست فقط في حكومة نتنياهو أو في قرار عسكري عابر، بل في بنية أوسع تمنح الاحتلال شرعية وتمنح الفلسطينيين صفة الخطر الدائم.

 

كما أشارت الوثيقة إلى أن روايات غير مؤكدة انتشرت حول أحداث 7 أكتوبر، وبينها مزاعم قطع الرؤوس وبعض الهجمات، وقد استخدمت هذه الروايات إعلاميًا لتوسيع خطاب الكراهية ضد المسلمين والفلسطينيين.

 

ومن هنا يصبح التشكيك في الروايات غير الموثقة ضرورة مهنية وسياسية، لأن إسرائيل بنت جزءًا كبيرًا من حملتها الدعائية على صور صادمة ومزاعم سريعة، ثم استخدمتها لتبرير حرب واسعة على غزة.

 

وفي المقابل، تجاهلت قطاعات واسعة من الإعلام الغربي سياق الاحتلال والحصار، وتعاملت مع بداية الحرب كأنها لحظة معزولة، لا نتيجة عقود من السيطرة العسكرية والاستيطان والقتل والحرمان من الحقوق.

 

لذلك تمنح الوثيقة اللغة اللازمة لإعادة ترتيب المشهد، فالمقاومة لا تولد في فراغ، والإرهاب لا يصبح أقل خطورة عندما تمارسه دولة تملك طائرات وجيشًا وسفارات وعلاقات حماية مع العواصم الغربية.

 

ومع أن القانون البريطاني يصنف حماس ضمن المنظمات المحظورة، فإن الوثيقة تكشف الفجوة بين التصنيف السياسي الرسمي وبين قراءة مجتمعية ترى أن مقاومة الاحتلال لا يمكن فصلها عن جذور الصراع.

 

إسرائيل بلا نصر ونتنياهو بلا إنجاز

 

بالتوازي مع ذلك، جاءت قراءة صحيفة معاريف الإسرائيلية لتؤكد أن الاحتلال لا يواجه أزمة صورة فقط، بل يواجه أزمة نتيجة، بعدما أقرت بأن استمرار الحرب بصيغتها الحالية لا يقود إلى نصر.

 

وقالت الصحيفة إن بنيامين نتنياهو لا يملك إنجازات ملموسة، وإن مكانته تراجعت داخل دائرة صناع القرار المحيطين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يعكس تآكل هامش الحركة السياسي لحكومة الاحتلال.

 

كما تحدثت معاريف عن فجوة بين طموحات القيادة الإسرائيلية وقدراتها الفعلية، معتبرة أن الإصرار على تنفيذ خطوات لا تسمح بها الإمكانات المتاحة سيقود إلى تسريع الانهيار لا إلى تحقيق الحسم.

 

وتزداد خطورة هذه القراءة لأنها صادرة من داخل الإعلام العبري، لا من خصوم إسرائيل، فهي تعترف بأن الحرب متعددة الجبهات لا تمنح تل أبيب فرصة حقيقية للنصر في ظل الوضع الحالي.

 

كما أن التحالف الذي سعت إسرائيل إلى بنائه ضد إيران، بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول أخرى، لم يحقق النتائج المرجوة، وهو ما يضع نتنياهو أمام معادلة خاسرة بين الاستنزاف وفقدان الثقة.

 

وتدعم تقارير غربية حديثة هذا الاتجاه، إذ تحدثت عن توتر واضح بين ترامب ونتنياهو بسبب مسار الضربات الإسرائيلية، بما يكشف أن حكومة الاحتلال لا تملك قرارها العسكري كاملًا كما تروج داخليًا.

 

ولهذا تبدو الوثيقة البريطانية متقدمة على لحظة الاعتراف الإسرائيلي بالفشل، لأنها سمت الاحتلال باسمه، ووصفت المقاومة في سياقها، ورفضت تحويل الضحية الفلسطينية إلى متهم دائم داخل الرواية الغربية.

 

وفي الخلاصة، لا تقدم الوثيقة موقفًا شاذًا كما يحاول أنصار إسرائيل تصويرها، بل تفتح نافذة على لغة أكثر صراحة، حماس مقاومة في سياق احتلال، وإسرائيل منظمة إرهابية صهيونية تمارس العنف تحت حماية سياسية غربية.