تناقش لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، الثلاثاء المقبل، اقتراحًا برغبة قدمه النائب نشأت حتة، لوضع آلية واضحة لتكليف خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والعلوم الطبية، بعد أزمة متكررة تهدد استقرار الخريجين وجودة الخدمة الصحية.

 

وتكشف الأزمة عجزًا حكوميًا عن تحويل التعليم الصحي إلى قوة عمل منظمة، لأن الدولة تنفق على إعداد آلاف الخريجين، ثم تتركهم في انتظار قرارات مرتبكة، بينما تحتاج المستشفيات والوحدات الصحية إلى كوادر مؤهلة ومنتظمة.

 

خريجون عالقون بين الشهادة والوظيفة

 

يرى النائب نشأت حتة أن تأخر تكليف خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والعلوم الطبية أصبح أزمة متكررة، لأنه يترك دفعات كاملة بلا مسار واضح، رغم احتياج القطاع الصحي إلى هذه التخصصات.

 

وبحسب المذكرة الإيضاحية، لا يقتصر التأخير على إجراء إداري، بل يضرب الاستقرار المهني والنفسي للخريجين، لأن الشاب الذي أنهى دراسته لا يعرف موعد عمله ولا موقعه ولا فرصته داخل المنظومة الصحية.

 

ومن هنا تظهر خطورة غياب آلية واضحة، لأن التكليف يمثل عند آلاف الخريجين بداية الحياة العملية ومصدر الدخل الأول، كما يرتبط لدى بعضهم بفرص التدريب والخبرة والتقدم المهني داخل القطاع الصحي.

 

وفي هذا المحور، تخدم رؤية الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام السابق لنقابة الأطباء، جوهر القضية، لأنه حذر سابقًا من فقدان جهود آلاف الأطباء الشباب عندما تتعطل قرارات التكليف وتطول المماطلة.

 

كذلك يؤكد هذا التحذير أن أزمة التكليف ليست مطلبًا فئويًا ضيقًا، لأن تعطيل الخريجين يعني تعطيل طاقة بشرية مدربة، وتوسيع فجوة الخدمات في منشآت تعاني أصلًا من ضغط المرضى وضعف التوزيع.

 

لذلك يصبح تأخر التكليف شكلًا من أشكال إهدار الاستثمار العام، فالدولة تمول الجامعات وتعلن اهتمامها ببناء الإنسان، ثم تفشل في وضع خريج صحي مؤهل داخل موقع يحتاج إليه في الوقت المناسب.

 

منظومة صحية تحتاج الكوادر ولا تخطط لها

 

يشير الاقتراح إلى أن غياب خطة استراتيجية للاستفادة من خريجي هذه التخصصات يحد من قدراتهم، خصوصًا أن الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والعلوم الطبية تخصصات يحتاج إليها سوق العمل الصحي بصورة مباشرة.

 

وتزيد المفارقة حين تتحدث الحكومة عن تطوير القطاع الصحي والاستثمار في الإنسان، بينما تترك التكليف يتحرك بمنطق رد الفعل، لا بمنطق الحصر المسبق للاحتياجات داخل المستشفيات والوحدات والمحافظات الطرفية.

 

كما أن تطبيق التكليف وفق الاحتياج من دون إعلان احتياجات دقيقة وشفافة يفتح بابًا واسعًا للغضب، لأن الخريجين لا يرفضون التخطيط، بل يرفضون الغموض الذي يحدد مستقبلهم بعد سنوات دراسة طويلة.

وفي هذا السياق، تمنح الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، زاوية مهمة للأزمة، لأنها ربطت بقاء الكوادر الطبية بإصلاح بيئة العمل وتوفير أجر كريم وحل أزمات الفريق الصحي.

وبناء على ذلك، لا تستطيع الحكومة أن تطالب الخريجين بالصبر وتتركهم بلا تكليف عادل أو بيئة عمل مناسبة، لأن النتيجة ستكون إحباطًا مهنيًا وهروبًا إلى القطاع الخاص أو السفر أو تغيير المسار.

كما تتسع المشكلة عندما يشعر الخريج أن سنوات الدراسة لا تمنحه حقًا واضحًا في بداية مهنية مستقرة، وهو ما يضرب ثقة دفعات كاملة في السياسات الصحية والتعليمية المرتبطة بالمهن الطبية.

تأخير التكليف يهدد الخدمة لا الخريجين فقط

يحذر نشأت حتة من أن خسارة هذه الكفاءات قد تنعكس سلبًا على مستقبل الخدمات الصحية، لأن المرافق تحتاج إلى كوادر متخصصة ومدربة، ولا يمكن رفع الجودة بينما تبقى قوى عاملة جاهزة خارج الخدمة.

وترتبط جودة الخدمة الصحية بتكامل الفريق الطبي، فالصيدلي لا يؤدي دورًا هامشيًا، وطبيب الأسنان يحتاج إلى توزيع منظم، وأخصائي العلاج الطبيعي والعلوم الطبية يشاركون في التشخيص والتأهيل والمتابعة اليومية للمرضى.

لذلك فإن التعامل مع التكليف كعبء مالي فقط يختزل المسألة بصورة خطيرة، لأن الحكومة حين تؤجل التعيين أو تقلصه بلا خطة معلنة تنقل الأزمة من مكاتب الوزارة إلى طوابير المرضى.

وفي هذا المحور، يبرز موقف الدكتور محمد حسن خليل، مؤسس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، لأن رؤيته تربط الحق في العلاج بالتزام الدولة بالإنفاق والتنظيم العادل للخدمات، لا بترك المواطنين للسوق.

ومن زاوية الحق في الصحة، يصبح تأخر التكليف ضررًا مزدوجًا، فهو يترك الخريجين في بطالة أو انتظار، ويحرم المرضى من خدمات كان يمكن أن تخفف الضغط على المستشفيات والعيادات العامة.

كما أن استمرار الأزمة بلا حل دائم يرسل رسالة سلبية لطلاب الكليات الصحية، لأنهم يرون أن مستقبلهم المهني يتوقف على قرارات متأخرة، لا على احتياج حقيقي معلن ولا على خطة وطنية مستقرة.

ويحتاج الملف إلى حصر شامل للخريجين والاحتياجات الصحية الفعلية، وإعلان جدول زمني واضح لكل دفعة، ووضع قواعد عادلة للتوزيع والتظلمات، بدل تدوير الأزمة سنويًا تحت عنوان الاجتماعات والاقتراحات.

وفي النهاية، لا تكفي مناقشة برلمانية مؤجلة لامتصاص غضب الخريجين، لأن الحكومة مطالبة بقرار تنفيذي واضح يوقف نزيف الانتظار، ويحمي استثمار الدولة في الكوادر، ويعيد ربط التكليف بحاجة الناس إلى خدمة صحية محترمة.