أوقفت وزارة التموين والتجارة الداخلية في مصر خلال يونيو 2026 صرف الخبز والسلع التموينية عن عدد من البطاقات بعد تطبيق محددات جديدة للاستبعاد تشمل امتلاك سيارة فارهة أو وحدة سكنية داخل مجمعات سكنية.

 

وتدفع حكومة السيسي ملف الدعم نحو غربلة أشد قسوة في وقت تضغط فيه الأسعار على الأسر الفقيرة والمتوسطة بينما يتحول امتلاك أصل قديم أو شقة بالتمويل إلى سبب لحرمان الأسرة من الغذاء المدعوم.

 

محددات جديدة تجعل الدعم امتحانا للملكية لا للفقر

 

بدأت الأزمة مع تطبيق مراجعات شهرية لمحددات استحقاق الدعم حيث ربطت وزارة التموين وقف البطاقة بمؤشرات مثل السيارة الفارهة أو أكثر من سيارة أو وحدة سكنية داخل مجتمعات سكنية أو شركة مسجلة.

 

وبحسب التصريحات المنشورة شملت أسباب الوقف أيضا إلحاق الأبناء بمدارس دولية وامتلاك حصة تجارية واستيراد سيارة من الخارج ووجود محاضر ممارسة كهرباء وصرف معاش دون وجه حق وتجاوز الحيازة الزراعية.

 

غير أن الحكومة لا تشرح للمواطن معيار الثراء بدقة لأن امتلاك سيارة أو شقة لا يعني بالضرورة توفر دخل شهري يكفي الغذاء بعد أقساط وديون ومصاريف علاج وتعليم وإيجار وخدمات.

 

كما أن تحويل الدعم إلى فحص رقمي للملكية يفتح بابا واسعا للأخطاء لأن قواعد البيانات لا تفرق دائما بين مالك فعلي ومستفيد بالاسم أو أصل مرهون أو سيارة تعمل مصدرا للدخل.

 

وفي هذا المحور يخدم رأي جودة عبد الخالق وزير التموين الأسبق وخبير الاقتصاد الاجتماعي فهم خطورة المحددات الجامدة إذ طالب بمراجعة شروط الاستبعاد لأن الأوضاع الاقتصادية جعلت معايير الدخل القديمة غير عادلة.

 

لذلك يصبح وقف البطاقة قبل فحص الحالة المعيشية قرارا عقابيا لا إجراء عدالة لأن الدولة تبدأ بالحرمان ثم تطلب من المواطن إثبات الفقر عبر رحلة تظلمات جديدة داخل المديريات.

 

بطاقة صغيرة وقيمة دعم لا تواكب الأسعار

 

في المقابل يحصل الفرد على بطاقة التموين على 50 جنيها شهريا حتى 4 أفراد ثم 25 جنيها للفرد الخامس وما بعده وهي قيمة ضعيفة أمام أسعار الغذاء المتزايدة.

 

وتوفر الوزارة السلع عبر نحو 40 ألف منفذ بينما سجلت قائمة يونيو 2026 أسعارا رسمية بينها السكر بسعر 12.60 جنيه والزيت 30 جنيها والدقيق 18 جنيها والمكرونة 17 جنيها.

 

لكن هذه الأرقام تكشف ضآلة الحماية لا سخاءها لأن أسرة من 4 أفراد تحصل على 200 جنيه شهريا للسلع بينما تحتاج أضعاف هذا المبلغ لتغطية جزء بسيط من الغذاء الأساسي.

 

إلى جانب ذلك يستفيد نحو 60.8 مليون فرد من دعم السلع التموينية في تقديرات الموازنة بينما يظل الخبز المدعم شبكة أوسع تمس عشرات الملايين ممن يعتمدون عليه يوميا.

 

وفي هذا السياق تؤكد عالية المهدي عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق بجامعة القاهرة أن الدعم العيني أكثر أمانا من النقدي في ظل التضخم لأنه يحمي الأسر من تقلب الأسعار.

 

ومن هنا تتحول حملة التصفية إلى ضغط مباشر على المعيشة لأن الحكومة لا ترفع قيمة الدعم بما يوازي التضخم ثم تستخدم مؤشرات ملكية فضفاضة لإخراج أسر من منظومة الغذاء.

 

التظلم بعد الوقف يضاعف معاناة الأسر

 

بعد وقف الصرف أعلنت وزارة التموين استقبال تظلمات المتضررين اعتبارا من 14 يونيو عبر مديريات التموين بالمحافظات مع اشتراط تقديم المستندات التي تثبت أحقية المواطن في استمرار الدعم.

 

إلا أن هذا المسار يضع العبء على المواطن لا على الإدارة لأن الأسرة تكتشف الوقف عند صرف الخبز أو السلع ثم تبدأ رحلة جمع أوراق لإصلاح قرار صدر آليا.

 

كذلك لا تضمن التظلمات عودة الصرف بسرعة لأن المواطن يحتاج إلى إثباتات من جهات متعددة وقد يواجه تأخيرا إداريا بينما يفقد في نفس الشهر خبزه وسلعه الأساسية.

 

كما تظهر تجربة تحديث بيانات البطاقات أن الحكومة تستدعي المواطنين عند كل تغيير إلى المكاتب أو المنصات الرقمية رغم ضعف الخدمات واتساع الفجوة الرقمية في القرى والنجوع والأحياء الفقيرة.

 

وفي هذا المحور تحذر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عبر باحثيها في ملف العدالة الاجتماعية من أن التخلص من الدعم العيني يهدد الأمن الغذائي لأن نصف الفقراء تقريبا خارج شبكات الدعم النقدي.

 

لذلك لا تبدو التظلمات ضمانة كافية لأن الخطأ في وقف بطاقة التموين لا يشبه خطأ إداريا عاديا بل يمس الخبز والزيت والسكر وهي سلع تدخل في طعام الأسرة اليومي.

 

غربلة التموين تمهد لتحويل الدعم لا لحماية الفقراء

 

تتزامن حملات التصفية مع حديث حكومي متكرر عن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بداية من السنة المالية المقبلة وهو مسار يثير مخاوف من تقليص القيمة الفعلية للدعم.

 

وقد نقلت تقارير صحفية أن سيناريوهات التحول تشمل دمج دعم الخبز مع السلع التموينية في بطاقة واحدة وبيع السلع بأسعارها السوقية مع إضافة قيمة نقدية إلى البطاقة.

 

وعند هذه النقطة يصبح حذف البطاقات جزءا من سياسة أوسع لأن الحكومة تضيق قاعدة المستفيدين أولا ثم تغير طريقة الصرف لاحقا بما يقلل تكلفة الموازنة لا معاناة المواطنين.

 

كما أن تثبيت قيمة الدعم التمويني منذ 2017 عند 50 جنيها للفرد يجعل أي حديث عن حرية اختيار السلع خادعا لأن القوة الشرائية تآكلت مع موجات التضخم والتعويم.

 

وفي هذا الاتجاه يرى عبد الخالق فاروق الخبير الاقتصادي المعارض أن الحكومة تمتلك نية مسبقة للتحول من الدعم العيني إلى النقدي وأن النقاشات الرسمية تمنح القرار غطاء سياسيا لا أكثر.

 

وبناء على ذلك تصبح السيارة والشقة والمدرسة الدولية عناوين جاهزة لتبرير الحذف بينما تتهرب الحكومة من السؤال الأصلي حول الفقر والدخل الحقيقي وتكلفة الغذاء وحق الأسرة في الحماية.

 

أخيرا تكشف تصفية بطاقات التموين أن حكومة السيسي لا توسع الحماية بل تضيقها تحت شعار العدالة لأن العدالة لا تبدأ بوقف الخبز ثم مطالبة المواطن بإثبات أنه جائع.

 

وتضع هذه السياسة ملايين الأسر أمام خوف شهري من ظهور سبب جديد للوقف بينما كان المطلوب تحديث معايير الفقر ورفع قيمة الدعم وحماية الخبز لا تحويل بطاقة التموين إلى أداة ابتزاز معيشي.