طرح السياسي والبرلماني السابق زياد العليمي، في حوار نشره موقع “زاوية ثالثة”، رؤية مباشرة لأزمة الحكم في مصر، مؤكدًا أن البلاد تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يجمع كل الأطراف، ويعيد السياسة إلى المجال العام، ويفتح طريقًا آمنًا للاستقرار السياسي والاقتصادي.

 

وأثارت تصريحات العليمي حملة تحريض من إعلاميين محسوبين على الأجهزة الأمنية، بعدما تحدث عن غياب نظام حكم واضح، وأزمة المعتقلين السياسيين، والديون، ودور الجيش في الاقتصاد، وضرورة جلوس الحكومة والإخوان والقوى المدنية على مائدة واحدة لإنقاذ البلد من الانسداد الحالي.

 

عقد اجتماعي جديد بدل الصوت الواحد

 

بدأ العليمي حديثه من سؤال يعتبره جوهر الأزمة المصرية، وهو كيف يمكن تحقيق استقرار الدولة وانتقال سياسي سلمي من دون هزة كبرى تضرب مؤسساتها أو تفتح الباب أمام فوضى جديدة.

 

وقدّم العليمي إجابته في عنوان واضح، وهو بناء عقد اجتماعي يشعر فيه الناس أن حقوقهم مصونة داخل دولة قانون تضمن الحقوق الكاملة للجميع، بدل استمرار إدارة السياسة بمنطق الإغلاق والمنع.

 

وبحسب طرحه، لا يمكن لأي دولة أن تستقر بمجرد القبضة الأمنية أو بإقصاء المجتمع من المشاركة، لأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى قواعد سياسية عادلة، ومحاسبة، وإنصاف، وآلية تغيير سلمية.

 

وأشار العليمي إلى أن استمرار الوضع الحالي من دون محاسبة يعطل آليات الدولة الحديثة، لأن السلطة التي لا تخضع لرقابة مؤسساتية أو شعبية تتحول إلى مركز قرار مغلق يدير البلد بلا مساءلة.

 

ومن هنا ربط العليمي بين غياب السياسة وغياب المعارضة الحقيقية، معتبرًا أن مصر لا تعاني فقط من أزمة حكم، بل من غياب نظام واضح المعالم يسمح بتداول الأفكار والبدائل والمحاسبة.

 

وتبدو أهمية هذا الكلام في أنه لا يطرح مواجهة مع الدولة، بل يطرح سؤالًا عن كيفية إنقاذها من الانغلاق، وهي زاوية لم يحتملها إعلام السلطة الذي تعامل مع النقد باعتباره تطاولًا.

 

ولهذا تحولت تصريحات العليمي إلى اختبار جديد لمزاعم الحوار الوطني، لأن الرجل تحدث بلغة سياسية هادئة عن ملفات طُرحت داخل هذا الحوار، لكن الإعلام الأمني واجهه بالتخوين والتحريض.

 

العدالة الانتقالية كطريق مؤجل للخروج من الأزمة

 

انتقل العليمي من فكرة العقد الاجتماعي إلى ملف العدالة الانتقالية، واعتبرها شرطًا أساسيًا لأي خروج جاد من الأزمة الممتدة، لأنها تربط بين المحاسبة والإنصاف وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

 

وأوضح أن العدالة الانتقالية ليست شعارًا سياسيًا، بل آليات قضائية ومجتمعية وسياسية تُستخدم بعد فترات شهدت انتهاكات، بهدف بناء ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من القمع.

 

وتكتسب هذه النقطة وزنًا أكبر لأن الدستور المصري لعام 2014 نص على العدالة الانتقالية، لكن الحكومات والبرلمانات المتعاقبة لم تترجم هذا النص إلى قانون فعال أو مسار مؤسسي حقيقي.

 

ووفق ما أشار إليه الطرح، شهد عام 2015 مسودة قانون للعدالة الانتقالية داخل وزارة العدالة الانتقالية وشؤون البرلمان، لكن المشروع بقي حبيس الأدراج قبل حذف اسم الوزارة نفسها لاحقًا.

 

كما شهد عام 2016 محاولة برلمانية عبر لجنة حقوق الإنسان برئاسة محمد أنور السادات لتقديم مشروع قانون بإنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، لكن البرلمان تجاهل مناقشة المشروع.

 

ويكشف هذا المسار أن الأزمة ليست في غياب النصوص فقط، بل في غياب الإرادة السياسية، لأن جهات داخل النظام ما زالت متمسكة بالقمع المفتوح وفرض الصوت الواحد بدل المصالحة.

 

ورغم ذلك يرى العليمي أن مصر ستذهب إلى العدالة الانتقالية عاجلًا أو آجلًا، لأن تراكم الأزمات سيجعل الجميع يقتنعون بأن الإنصاف والمحاسبة هما الطريق الوحيد لبناء استقرار حقيقي.

 

قضية الأمل والطنطاوي تكشفان إغلاق المجال السياسي

 

استعاد العليمي تجربته في قضية “الأمل”، التي حُبس بسببها مع حسام مؤنس وهشام فؤاد، معتبرًا أن الواقعة كشفت خوف النظام من أي محاولة لجمع المعارضة في مسار انتخابي سلمي.

 

وقال إن الهدف من التحالف وقتها كان جمع أطياف المعارضة داخل تحالف انتخابي واحد على أساس رفض التنازل عن تيران وصنافير ورفض تعديل الدستور، قبل أن يتحول الأمر إلى قضية أمنية.

 

وبحسب ما ورد في الحوار، أبلغه أحمد الطنطاوي أن “الرجل الثاني في الدولة” طلب فض هذا التحالف، وعندما أصر المشاركون على حقهم السياسي والدستوري جرى القبض عليهم.

 

وتتصل هذه الواقعة بما حدث لاحقًا مع الطنطاوي نفسه، بعدما حاول طرح نفسه كبديل سياسي في انتخابات الرئاسة، ثم واجه الحبس والاستهداف بدل السماح بمنافسة انتخابية طبيعية.

 

ومن هنا يرى العليمي أن المعارضة لا تستطيع أداء دورها ما دام النظام يغلق المجال العام، لأن دور المعارضة هو تقديم بدائل سياسية واقتصادية، لا انتظار إذن أمني لممارسة السياسة.

 

وتكشف هذه النقطة جوهر ما وصفه العليمي بغياب نظام حكم واضح، لأن الدولة التي تمنع السياسة السلمية تدفع المجال العام نحو الجمود، ثم تتحدث عن الاستقرار وكأنها لا تصنع أزمته.

 

ولهذا بدا كلام العليمي عن جلوس الحكومة والإخوان والقوى المدنية على مائدة واحدة جزءًا من طرح سياسي شامل، لا دعوة تكتيكية، لأن مصر أكبر من النظام والمعارضة وكل الأطراف.

 

ديون مصر ودور الجيش في الاقتصاد

 

فتح العليمي ملف الاقتصاد من زاوية سياسية مباشرة، مؤكدًا أن النظام لا يطرح رؤية اقتصادية واضحة، بل ينفذ سياسات ويدفع المجتمع ثمنها عبر الديون والتضخم وتراجع قدرة الناس على المعيشة.

 

وتساءل العليمي عن الطرف الذي سيدفع ثمن ديون مصر، وهو سؤال لا يقف عند الأرقام، بل يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع سياسات لا يشارك في صنعها ولا يملك محاسبة أصحابها.

 

وربط العليمي بين الأزمة الاقتصادية وغياب السياسة، لأن الاقتصاد لا ينهض في دولة تغيب فيها الرقابة، ولا تعمل فيها المؤسسات بكفاءة، ولا توجد فيها محاسبة واضحة على قرارات الدين والإنفاق.

 

كما تحدث عن ضرورة أن تعمل الدولة كدولة لا كمنافس اقتصادي، وأن تعود مؤسساتها إلى أدوارها الأصلية، فتقوم الداخلية بحماية المجتمع لا إدارة السياسة، وتقدم الصحة الرعاية لا المصالح الاستثمارية.

 

وفي السياق نفسه، شدد العليمي على ضرورة خروج الجيش من النشاط الاقتصادي وعودته إلى دوره الأساسي في حماية البلاد، وهو الطرح الذي اختصره البعض في عبارة إلغاء “تأجير الجيش المصري”.

 

ولا يقف هذا الطرح عند الاقتصاد وحده، لأنه يمس بنية الحكم كلها، حيث تتحول المؤسسات إلى أطراف ذات مصالح اقتصادية وسياسية، بينما يدفع المواطن ثمن غياب الحوكمة والشفافية.

 

وبذلك يصبح سؤال الديون جزءًا من سؤال أكبر عن الدولة، فمن يقرر؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يدفع الثمن عندما تفشل السياسات أو تتراكم الفواتير على المجتمع؟

 

تحريض الإعلام الأمني يفضح حدود الحوار الوطني

 

جاءت حملة نشأت الديهي وعدد من الإعلاميين المحسوبين على الأجهزة الأمنية لتكشف أن السلطة لا تحتمل حتى النقد الهادئ، لأن تصريحات العليمي لم تتجاوز ملفات يعترف النظام نفسه بوجودها.

 

فالكلام عن المعتقلين السياسيين، وغلق المجال العام، وتخارج الجيش من الاقتصاد، وأزمة الديون، وضرورة الإصلاح السياسي، ظهر داخل نقاشات عامة سابقة، لكنه يصبح جريمة عندما يقوله سياسي مستقل.

 

واستخدم الديهي اتهامات جاهزة من نوع “التطاول على الدولة”، وهي صيغة تحريضية تحوّل أي نقاش حول السياسات إلى اعتداء على الدولة نفسها، رغم أن النقد يستهدف طريقة الحكم لا وجود الدولة.

 

كما عكست لغة السباب والهجوم الشخصي مستوى الإعلام الأمني خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الشاشة إلى أداة اغتيال معنوي ضد كل من يحاول فتح نقاش سياسي خارج الرواية الرسمية.

 

وتكشف هذه الحملة أن الأزمة لا تتعلق بزياد العليمي وحده، بل بمنهج كامل يسعى إلى إسكات أي صوت يذكّر بأن المجتمع المصري ما زال قادرًا على إنتاج بدائل سياسية سلمية.

 

وفي المقابل، يمثل وجود سياسيين مستقلين مثل العليمي وأحمد الطنطاوي فرصة للبلد لا تهديدًا لها، لأن العمل السياسي السلمي هو البديل الطبيعي عن القمع والتطرف والإرهاب بكل أشكاله.

 

وتنتهي دلالة الحوار إلى رسالة واضحة، وهي أن مصر تحتاج إلى تغيير عقلية الحكم الأمني قبل أي شيء، لأن الصوت الواحد لا يبني دولة، والتحريض لا يصنع استقرارًا، وإغلاق السياسة لا يحل الديون.

 

ولهذا يفضح حوار زياد العليمي حدود الحوار الوطني الرسمي، لأن النظام يريد حوارًا بلا نتائج، ومعارضة بلا تأثير، وسياسة بلا منافسة، بينما يطرح العليمي طريقًا مختلفًا يبدأ من عقد اجتماعي وعدالة انتقالية ومائدة تضم الجميع.