استقبل قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي منتصف هذا الأسبوع وفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى بحضور رئيس المخابرات حسن رشاد، بما أعاد ملف لقاءات السيسي بالمنظمات اليهودية الأمريكية إلى الواجهة.

 

ويأتي اللقاء بينما تواصل حكومة السيسي تقديم نفسها كوسيط في القضية الفلسطينية، في حين توسع قنواتها مع منظمات أمريكية داعمة لإسرائيل، وهو مسار يزيد الفجوة بين الخطاب الرسمي وغضب الشارع من التطبيع.

 

 

واشنطن بوابة التطبيع السياسي لا تل أبيب

 

فمنذ فبراير 2016، لم تعد لقاءات السيسي بالمنظمات اليهودية الأمريكية واقعة عابرة، إذ تكررت عبر وفود تضم قيادات بارزة في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى واللجنة الأمريكية اليهودية والكونجرس اليهودي العالمي.

 

كما تكشف طبيعة الوفود أن القاهرة لا تتحرك عبر مسار ديني أو ثقافي، بل عبر قنوات ضغط أمريكية مؤيدة لإسرائيل، تملك حضورًا مباشرًا في واشنطن وتتابع ملفات المعونة والتسليح والأمن الإقليمي.

 

وبالتوازي، استخدمت حكومة السيسي هذه اللقاءات كنافذة جانبية على دوائر القرار الأمريكي، خصوصًا عندما تعرضت القاهرة لضغوط مرتبطة بحقوق الإنسان أو بالمساعدات العسكرية أو بملفات غزة وسيناء والبحر الأحمر.

 

هنا يخدم رأي خليل العناني هذا المحور، إذ يرى الباحث في شؤون السياسة المصرية أن علاقة القاهرة بواشنطن بعد اتفاقية السلام صارت مرتبطة بالأمن والدفاع والاستخبارات وموقع مصر في ضمان أمن إسرائيل.

 

لذلك تبدو لقاءات السيسي بالمنظمات اليهودية الأمريكية جزءًا من هندسة سياسية أوسع، هدفها تثبيت النظام المصري داخل المعادلة الأمريكية، لا الدفاع عن موقف شعبي مصري رافض للتطبيع مع إسرائيل.

 

 

غزة وسيناء والمساعدات وراء الطاولة

 

وعلى المستوى الإقليمي، تضع حكومة السيسي ملف غزة في قلب مبررات التواصل مع هذه الوفود، لأن القاهرة تدير معبر رفح وتشارك في ترتيبات التهدئة وتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

 

ومن خلال هذا الدور، تحصل القاهرة على اعتراف أمريكي وإسرائيلي بأنها وسيط لا يمكن تجاوزه، لكنها تدفع ثمن ذلك داخليًا عندما يظهر التنسيق الأمني أكبر من موقفها المعلن تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة.

 

ويشرح الباحث البريطاني هـ أ هيليير هذه الوظيفة حين يؤكد أن القاهرة تمتلك خطوط اتصال عالية المستوى مع الإسرائيليين ومع أغلب الفصائل الفلسطينية، ولذلك تستطيع فتح قناة تفاوض لا تملكها أطراف إقليمية كثيرة.

 

غير أن هذا الدور لا يبرر سياسيًا إخفاء حجم التنسيق عن المصريين، لأن الحكومة تطلب من الشارع قبول خطاب السيادة علنًا، بينما تدير في الغرف المغلقة علاقات وثيقة مع أكثر الدوائر الأمريكية دعمًا لإسرائيل.

 

ثم يزيد حضور رئيس المخابرات في لقاء يونيو 2026 من دلالة المسار، لأن الملف لا يتعلق بمجاملات دبلوماسية، بل بقنوات أمنية وسياسية تمس غزة وسيناء والمعونة الأمريكية والعلاقة الحساسة مع إسرائيل.

 

 

سلام رسمي يعمق الفجوة مع الشارع

 

في المقابل، تصطدم هذه اللقاءات بما يسمى داخل مصر بالسلام البارد، حيث لم يتحول اتفاق 1979 إلى قبول شعبي بالتطبيع، وظلت إسرائيل في الوعي العام مرتبطة بالاحتلال والحروب والقضية الفلسطينية.

 

وتربط ميشيل دن هذا التناقض ببنية العلاقة نفسها، إذ تؤكد أن التعاون العسكري والاستخباراتي بين مصر وإسرائيل أصبح أوثق بعد 2013، لكنه بقي علاقة على مستوى القمة لا على مستوى المجتمع.

 

وبحسب هذا المعنى، لا تواجه حكومة السيسي مشكلة في اللقاءات فقط، بل في محاولة تمريرها كدبلوماسية عادية، بينما تؤكد الوقائع أنها تفتح أبوابًا سياسية مع جماعات ضغط تقدم أمن إسرائيل كأولوية.

 

كذلك يكشف توقيت لقاء يونيو 2026 حساسية أكبر، بعدما جاء استقبال القيادات الأمريكية اليهودية في القاهرة بعد مشاركتهما في مسيرة يوم إسرائيل بنيويورك، وسط حضور شخصيات إسرائيلية يمينية مثيرة للغضب العربي.

 

لذلك لا تبدو القاهرة وسيطًا محايدًا أمام الرأي العام، بل تبدو سلطة تستخدم القضية الفلسطينية لتعزيز قيمتها لدى واشنطن، ثم تطلب من المصريين تجاهل صور اللقاءات وشبكات الضغط التي تصنعها.

 

وتنتهي هذه السياسة إلى معادلة قاسية، إذ تحافظ حكومة السيسي على دعم واشنطن وتنسيقها الأمني مع إسرائيل، لكنها تخسر ما تبقى من ثقة الشارع كلما ظهر التطبيع كسياسة رسمية غير معلنة.