لم تعد الهجرة من إسرائيل مجرد حالات فردية يبحث أصحابها عن فرص أفضل في الخارج، بل تحولت إلى ظاهرة متنامية دفعت رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب في الكنيست، جلعاد كاريف، إلى وصفها بأنها "تسونامي من الإسرائيليين الذين يختارون مغادرة البلاد".

 

وتواجه إسرائيل، التي قامت فلسفتها التأسيسية على استقطاب اليهود من مختلف أنحاء العالم، تحديًا غير مسبوق يمس أحد أهم ركائز وجودها، وفقًا لـ"الجزيرة نت"؛ فالدولة التي اعتادت وصف من يغادرها بـ"المتساقطين" تجد نفسها اليوم أمام أزمة متصاعدة تتمثل في نزيف مستمر لرأس المال البشري والكفاءات، في وقت لم تعد فيه أعداد الوافدين الجدد قادرة على تعويض هذا التراجع.

 

أرقام رسمية تكشف حجم الأزمة

 

وبحسب تقرير أعده مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست بناءً على طلب كاريف، واستنادًا إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء، فقد تراجع صافي ميزان هجرة المواطنين – وهو الفارق التراكمي بين المغادرين والعائدين – بمقدار 125 ألفًا و200 شخص خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2022 وحتى أغسطس 2024.

 

وتعكس هذه الأرقام تحولات ديمغرافية لافتة، تشير إلى اتساع الفجوة بين أعداد المغادرين والعائدين بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة.

 

منحنى الهجرة يتجه صعودًا

 

ويُظهر التقرير أن متوسط عدد المغادرين من إسرائيل قبل عام 2021 كان يدور حول 40 ألفًا و500 شخص سنويًا.

 

وفي عام 2022 ارتفع العدد إلى 59 ألفًا و400 مغادر، بينما انخفض عدد العائدين إلى 29 ألفًا و600 شخص.

 

أما عام 2023، فقد شهد قفزة قياسية، إذ غادر إسرائيل 82 ألفًا و800 شخص، بزيادة بلغت 44% مقارنة بالعام السابق، في حين تراجع عدد العائدين إلى 24 ألفًا و200 شخص فقط.

 

وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، غادر نحو 50 ألف شخص البلاد، مقابل عودة 12 ألفًا و100 شخص فقط، ما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي للهجرة العكسية.

 

فجوة تاريخية بين المغادرين والعائدين

 

وأدت هذه التطورات إلى تسجيل إسرائيل، للمرة الأولى، عددًا من المهاجرين طويلي الأمد يفوق عدد العائدين إلى البلاد، في تحول يراه مراقبون من أخطر التحولات الديمغرافية التي شهدتها الدولة العبرية منذ تأسيسها.

 

كما سجل عام 2023 أكبر فجوة تاريخية بين المغادرين والعائدين، وهو ما يثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الإسرائيلية من تداعيات استمرار هذا النزيف البشري على سوق العمل والاقتصاد والبنية السكانية في السنوات المقبلة.

 

من هم المغادرون؟

 

لا تكمن خطورة الظاهرة في أعداد المغادرين فحسب، بل في طبيعة الفئات التي تختار الرحيل. فقرابة نصف الإسرائيليين الذين غادروا البلاد منذ عام 2022 تتراوح أعمارهم بين 20 و44 عامًا، وهي الشريحة التي تمثل العمود الفقري للقوة العاملة والنشاط الاقتصادي.

 

وتُظهر البيانات أن أصحاب المؤهلات العلمية المرتفعة يشكلون نسبة كبيرة من المغادرين؛ إذ بلغت نسبة حاملي درجة البكالوريوس بين الراحلين عام 2022 نحو 33.2%، فيما مثل حاملو الماجستير 23.5%، بينما وصلت نسبة الحاصلين على الدكتوراه إلى 3.7%.

 

وفي السياق ذاته، كشفت دراسة أعدها الاقتصاديون إيتاي آتر ونيتاي بيرغمان ودورون زامير من جامعة تل أبيب، ونشرها موقع "تايمز أوف إسرائيل"، أن نحو 90 ألف إسرائيلي غادروا البلاد خلال الفترة الممتدة بين يناير 2023 وسبتمبر 2024، استنادًا إلى بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاء وسلطة السكان والهجرة وسلطة الضرائب.

 

نزيف العقول والأموال.. خسائر تتجاوز الأرقام

 

ولم يكتفِ الباحثون برصد أعداد المغادرين فحسب، بل حرصوا على تنقية البيانات للوصول إلى صورة أكثر دقة للظاهرة. فقد استبعدوا من العينة جميع الأشخاص الذين أقاموا في إسرائيل أقل من ثلاث سنوات، ما يعني استبعاد الوافدين الذين قدموا مؤقتًا بسبب الحرب في أوكرانيا. وبذلك تتعارض نتائج الدراسة مع تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي سبق أن قال إن معظم المغادرين "هم أوكرانيون وصلوا إلى إسرائيل بصورة مؤقتة بسبب الحرب".

 

وتكشف الأرقام أن من بين المغادرين ما لا يقل عن 19 ألف شخص يحملون شهادات جامعية، إضافة إلى 633 حاصلًا على درجة الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وأكثر من 3 آلاف مهندس، إلى جانب ما يزيد على 400 طبيب غادروا البلاد خلال عام 2023 وحده. وقدّر الباحثون الخسائر المباشرة التي تكبدتها الخزينة الإسرائيلية بنحو 1.5 مليار شيكل (461 مليون دولار) من ضرائب الدخل فقط، ما يعكس الأثر الاقتصادي الكبير لفقدان هذه الكفاءات.

 

ويتركز جانب كبير من هذا النزيف في القطاع الأكثر أهمية للاقتصاد الإسرائيلي، وهو قطاع التكنولوجيا المتقدمة. فبحسب تقرير هيئة الابتكار الإسرائيلية لعام 2025، الذي تناولته عدة وسائل إعلام من بينها "تايمز أوف إسرائيل"، غادر نحو 8300 موظف وعامل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2023 ويوليو 2024، وهو ما يمثل نحو 2.1% من إجمالي العاملين في القطاع. كما سجل القطاع لأول مرة منذ أكثر من عقد تراجعًا في أعداد العاملين فيه.

 

ورغم أن العاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة لا يمثلون سوى أقل من 8% من إجمالي القوى العاملة في إسرائيل، فإن هذا القطاع يسهم بما يقارب ربع الإيرادات الضريبية للدولة، الأمر الذي يجعل أي تراجع فيه مصدر قلق بالغ لصناع القرار الاقتصادي.

 

ولم تقتصر موجة المغادرة على أصحاب الكفاءات والخبرات العلمية، بل امتدت كذلك إلى أصحاب الثروات ورؤوس الأموال. ووفق تقرير نشره موقع "واي نت" عام 2025 حول هجرة الأثرياء، مستندًا إلى بيانات شركة استشارات دولية، فقد غادر نحو 1700 مليونير إسرائيل خلال عام 2024، في مؤشر واضح على أن البلاد تواجه نزيفًا مزدوجًا يشمل الموارد البشرية والمالية في آن واحد.

 

وجهات جديدة وأسباب متشابكة

 

ولا يقتصر التحول الجاري على ارتفاع أعداد المغادرين فقط، بل يشمل أيضًا الوجهات التي يقصدونها. فبحسب تقرير "إسرائيل 2025: مفترق طرق ديمغرافي"، الصادر عن مركز تاوب في ديسمبر 2025، بدأت الوجهات التقليدية للهجرة مثل الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا تفقد جزءًا من جاذبيتها لصالح دول أخرى مثل ألمانيا وقبرص وعدد من دول شرق آسيا.

 

ويرى الباحثون أن هذا التحول لا يعكس مجرد البحث عن فرص اقتصادية أفضل، بل يشير إلى رغبة متزايدة في تبني أنماط حياة مختلفة والابتعاد عن الظروف السياسية والاجتماعية السائدة داخل إسرائيل.

 

وتجمع معظم الدراسات والمصادر الإسرائيلية على وجود ثلاثة عوامل رئيسية تقف خلف هذه الظاهرة؛ أولها الجدل الواسع الذي أثارته خطة التعديلات القضائية التي طرحتها الحكومة أواخر عام 2022، وثانيها تداعيات الحرب على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023، وثالثها تراجع الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.

 

كما أضاف مدير قسم الديمغرافيا في المكتب المركزي للإحصاء، أحمد حليحل، عاملًا آخر يتمثل في التداعيات التي خلفتها جائحة كورونا خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت بدورها في إعادة تشكيل قرارات الهجرة لدى شرائح مختلفة من السكان.

 

وكشفت نتائج استطلاع أجرته منظمة "العلوم في الخارج"، التي تتواصل مع أكثر من 11 ألف عالم وطبيب إسرائيلي موزعين على أكثر من 30 دولة، حجم التغير الذي طرأ على توجهات المهاجرين. فقبل مغادرتهم إسرائيل، أكد 61% من المشاركين أنهم ينوون العودة مستقبلًا، بينما لم يفكر سوى 9.5% منهم في الاستقرار الدائم خارج البلاد.

 

غير أن هذه النسب تغيرت بصورة كبيرة بعد استقرارهم في الخارج؛ إذ تراجعت نسبة الراغبين في العودة إلى 16% فقط، في حين ارتفعت نسبة الذين قرروا البقاء بشكل دائم إلى 31%. وأرجع 45% منهم هذا القرار إلى التعديلات القضائية، بينما ربط 47% قرارهم بتداعيات الحرب.

 

حكومة بلا خطة.. ومخاوف من "دوامة الانهيار"

 

ومن أكثر ما أثار الجدل في الوثائق والتقارير الرسمية غياب جهة حكومية واضحة تتولى إدارة هذا الملف. فقد كشف رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب في الكنيست، جلعاد كاريف، أنه عندما تولى رئاسة اللجنة سأل عن الجهة المسؤولة عن متابعة الظاهرة، ليكتشف - بحسب قوله - "أنه لا توجد جهة حكومية واحدة تنسق هذا الملف، ولا توجد خطة استراتيجية واضحة لعكس هذا الاتجاه".

 

وفي محاولة لاحتواء المخاوف، قلل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير الماضي من حجم الظاهرة، معتبرًا أن غالبية المغادرين هم من الأوكرانيين الذين وصلوا حديثًا إلى إسرائيل بسبب الحرب.

 

لكن البيانات الرسمية تقدم صورة مختلفة؛ إذ تشير إلى أن 52% من المغادرين خلال عام 2024 هم أشخاص وُلدوا داخل إسرائيل نفسها، وهو ما دفع كاريف إلى الرد بالقول إن رئيس الوزراء "حاول التقليل من حجم الظاهرة، لكن البيانات تدحض هذا الادعاء بشكل واضح".

 

وتتزايد التحذيرات داخل الأوساط الأكاديمية والاقتصادية من تداعيات استمرار هذا المسار. فقد حذر البروفيسور دان بن ديفيد، مدير معهد "شوريش"، في تصريحات لصحيفة هآرتس، من الدخول في ما وصفه بـ"دوامة الانهيار"، موضحًا أن نحو تسعة آلاف من أبرز العقول والكفاءات في إسرائيل هم الذين يتولون تدريب الأطباء والمهندسين والباحثين، وأن مغادرة المئات منهم تعني خسارة الفئة التي تحافظ على مكانة إسرائيل ضمن الدول المتقدمة علميًا وتقنيًا.

 

بدوره، حذر البروفيسور إيتاي آتر من أن استمرار نزيف الكفاءات قد يدفع إسرائيل إلى مسار مشابه لما شهدته دول عانت هجرة واسعة للعقول والمهارات مثل لبنان وفنزويلا والأرجنتين وجنوب أفريقيا.

 

وفي نهاية المطاف، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة غير مسبوقة؛ فالدولة التي قامت فكرتها الأساسية على استقطاب اليهود من أنحاء العالم باتت تواجه سؤالًا وجوديًا معاكسًا: لماذا تختار النخب العلمية والاقتصادية الرحيل في الوقت الذي تصف فيه القيادة السياسية المرحلة الحالية بأنها واحدة من أكثر المراحل مصيرية في تاريخ الدولة؟