كشفت تعديلات حكومية على قانون الضريبة على القيمة المضافة في مصر عن اتجاه لإخضاع الغاز الطبيعي للمنازل لضريبة جدول بقيمة 20 جنيها لكل ألف قدم مكعب، بما يعادل نحو 14% من قيمة الاستهلاك، رغم نفي وزارة المالية تحميل المواطنين أعباء مباشرة.

 

وتفتح الصياغة الحكومية باب تمرير الزيادة من الشركات إلى المستهلكين، إذ تقول وزارة المالية إن الشركة المختصة بشراء الغاز هي المكلفة بتوريد الضريبة، بينما لا تمنع هذه الصياغة انتقال التكلفة لاحقا إلى فواتير المنازل أو أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالطاقة.


غاز المنازل بين نص ضريبي ونفي حكومي

 

في البداية، أثار مشروع تعديل قانون الضريبة على القيمة المضافة جدلا واسعا، بعدما تضمن استبعاد الغاز الطبيعي للمنازل من قائمة السلع المعفاة، وإخضاعه لضريبة جدول بقيمة 20 جنيها لكل ألف قدم مكعب، بما يعادل نحو 14% من قيمة الاستهلاك.

 

ثم جاء نفي وزير المالية أحمد كجوك ليحاول تهدئة القلق، إذ قال أمام لجنة الخطة والموازنة إن مشروع القانون لا يتضمن أعباء ضريبية جديدة على المواطنين بسبب استهلاك الغاز الطبيعي، وإن الضريبة تخاطب الشركة المختصة بشراء الغاز.

 

وبحسب هذا التفسير، تصبح الشركة المشترية للغاز هي المكلفة قانونا بتوريد ضريبة الجدول لصالح وزارة المالية، لا المستهلك النهائي مباشرة، لكن صياغة العبء على الشركة لا تلغي احتمالات انتقاله لاحقا إلى تكلفة الخدمة أو الأسعار.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي زاوية الضرائب غير المباشرة، لأنه يحذر في كتاباته من توسع الحكومة في الإيرادات السهلة التي يدفعها المستهلك النهائي، حتى عندما تبدأ قانونيا عند المنتج أو المورد أو التاجر.

 

لذلك لا تبدو أزمة الغاز في السؤال المباشر فقط حول فاتورة المنزل، بل في طريقة إدارة الضرائب نفسها، حيث تنفي الحكومة تحميل المواطن، بينما تستهدف المذكرة الإيضاحية زيادة الإيرادات وتخفيف عبء الموازنة من خلال توسيع نطاق الخضوع الضريبي.

 

كما أن التجارب السابقة مع الضرائب غير المباشرة تجعل النفي الرسمي غير كاف لطمأنة الناس، لأن الشركات غالبا لا تتحمل التكلفة وحدها، بل تعيد توزيعها على سلاسل السعر، سواء في الطاقة أو النقل أو الإنتاج أو الخدمات.

 

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي هو من سيدفع فعليا 20 جنيها لكل ألف قدم مكعب إذا أقر القانون، وهل ستلتزم الحكومة بعدم تمرير التكلفة إلى المستهلك، أم ستظهر الزيادة لاحقا داخل تسعير الغاز أو بنود أخرى أقل وضوحا.

 

وبناء على ذلك، يحتاج مشروع القانون إلى نص صريح يمنع تحميل ضريبة الغاز على المستهلك النهائي، لا مجرد تصريحات شفهية داخل اجتماع برلماني، لأن المواطن لا يحتمي بالتصريحات عند صدور الفاتورة بل بالنصوص واللوائح وآليات الرقابة.

 

الإيجارات غير السكنية تفتح باب تكلفة جديدة على السوق

 

إلى جانب الغاز، تشمل التعديلات إخضاع تأجير المباني والوحدات غير السكنية لضريبة القيمة المضافة بالسعر العام 14%، وعلى رأسها المكاتب الإدارية ومقار الشركات والأنشطة الاقتصادية المختلفة، مع استثناء الأنشطة الدينية والخيرية والاجتماعية والتعليمية والصحية.

 

ثم تقول الحكومة إن هذا الخضوع لا يمثل عبئا حقيقيا على المكلفين، لأن من يمارس نشاطا خاضعا للضريبة يحق له خصم الضريبة، ومن لا يملك حق الخصم يستطيع إدراجها ضمن التكاليف والمصروفات عند حساب ضريبة الدخل.

 

لكن السوق لا يعمل بهذه البساطة المحاسبية، لأن المالك قد يرفع القيمة الإجمالية على المستأجر التجاري، والمستأجر قد يحمل الزيادة على سعر السلعة أو الخدمة، ثم تصل الضريبة في النهاية إلى المستهلك العادي في صورة أسعار أعلى.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الخبير الاقتصادي هاني جنينة محور انتقال التكلفة إلى التضخم، لأنه يربط دائما بين ارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل والطاقة وبين إعادة التسعير، خصوصا في سوق يعاني أصلا من ضعف الطلب وارتفاع الكلفة.

 

لذلك فإن فرض 14% على تأجير الوحدات الإدارية قد لا يبقى داخل عقود المكاتب فقط، بل يمتد إلى عيادات وشركات ومخازن ومقار أعمال لا تدخل ضمن الاستثناءات، فتزيد مصروفاتها ثم تعيد توزيع العبء على العملاء والعمال والأسعار.

 

كذلك يتزامن هذا التوسع الضريبي مع وضع اقتصادي مرهق للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تواجه ارتفاع الإيجارات والطاقة والتمويل والضرائب والرسوم، ما يجعل أي بند جديد سببا في تقليل العمالة أو رفع الأسعار أو الخروج من السوق.

 

وفي المقابل، تتضمن التعديلات بعض الحوافز للقطاع الصناعي، مثل خفض ضريبة الأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج إلى 5% بدلا من 14%، ورفع مدة تعليق سداد الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية إلى 4 سنوات.

 

غير أن هذه الحوافز لا تلغي الطابع العام للتعديل، لأن الحكومة توسع القاعدة الضريبية في ملفات حساسة، ثم تقدم تسهيلات محددة في قطاعات أخرى، بينما يبقى المواطن محاصرا بسؤال أسعار الخدمات والسلع ومصاريف التشغيل اليومية.

 

ومن ثم، تكشف التعديلات عن فلسفة مالية تسعى إلى جمع الإيرادات من أكثر من قناة، حتى في الملفات التي تمس الطاقة والإيجارات التجارية والصناعات المنزلية، بينما تحتاج السوق إلى تخفيف حقيقي للتكلفة لا إعادة ترتيبها داخل دفاتر الضرائب.

 

الإيرادات الضريبية تغطي عجز الموازنة على حساب المستهلك

 

على مستوى أوسع، تقول المذكرة الإيضاحية إن اتجاه الحكومة لتعديل السلع والخدمات الخاضعة لقانون القيمة المضافة يستهدف تخفيف عبء الموازنة العامة وزيادة الإيرادات الضريبية، وهي عبارة تكشف جوهر الأزمة لا هامشا فنيا في القانون.

 

فبدلا من معالجة عجز الموازنة عبر إنتاج أوسع وعدالة ضريبية حقيقية ومراجعة الإنفاق، تعود الحكومة إلى الضرائب غير المباشرة التي يسهل تحصيلها، لكنها أكثر قسوة على المواطنين لأنها لا تفرق كثيرا بين الغني والفقير عند الشراء والاستهلاك.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة الأسبق، محور الموازنة، لأنه ينتقد الاعتماد المفرط على الجباية والاقتراض، ويدعو إلى توجيه السياسة المالية نحو الإنتاج والعدالة لا نحو تحميل المستهلكين فواتير العجز.

 

لذلك لا تكفي التعديلات الإيجابية مثل إعفاء مدخلات الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى، أو استمرار إعفاء الأمصال واللقاحات والدم ومشتقاته وحضانات الأطفال ووسائل تنظيم الأسرة، لأن هذه البنود الصحية لا يجب أن تغطي على توسيع العبء في قطاعات أخرى.

 

كما أن إعفاء خدمات الترانزيت من الضريبة لدعم تحويل مصر إلى مركز لوجستي إقليمي قد يخدم التجارة العابرة، لكنه لا يجيب عن سؤال المواطن الذي يخشى أن تزيد فاتورة الغاز أو تكلفة السلع بسبب ضرائب جديدة على الشركات والمباني.

 

وبالتوازي، يحمل مشروع القانون تسهيلات في رد الرصيد الدائن، إذ يقلص المدة من 6 أشهر إلى 4 أشهر، ويمنح المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه سنويا حق الاسترداد بعد 3 أشهر فقط.

 

لكن هذه التيسيرات تفيد المكلفين داخل النظام الضريبي أكثر مما تفيد المستهلك مباشرة، لأن الأزمة المعيشية ليست في سرعة رد الرصيد الدائن للشركات وحدها، بل في أن الحكومة تجمع مواردها من جيوب تتحمل التضخم والطاقة والغذاء والإيجارات.

 

كذلك شملت التعديلات خضوع الصابون والمنظفات الصناعية للاستخدام المنزلي والجبس للسعر العام 14% بدلا من وجودهما في جدول خاص، بدعوى منح المنتجين حق الخصم الضريبي، وهو ما قد يفتح بابا جديدا لالتباس الأسعار في سلع يومية.

 

ومن ناحية عملية، قد يرى المنتج أن حق الخصم يفيده محاسبيا، لكن المستهلك يسأل عن سعر العبوة على الرف، لأن أي تغير ضريبي في المنظفات أو مواد البناء أو الغاز أو الإيجارات يمكن أن يتحول إلى زيادة نهائية ولو بعد فترة.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو رسالة قانون القيمة المضافة مزدوجة، فهو يقدم حوافز وتيسيرات لبعض الأنشطة، لكنه يوسع في الوقت نفسه مظلة الضريبة على ملفات تمس تكلفة المعيشة، بينما تحاول الحكومة فصل النص القانوني عن أثره الفعلي على المواطن.

 

وفي النهاية، تكشف تعديلات القيمة المضافة أن الحكومة تبحث عن إيرادات جديدة تحت ضغط الموازنة، لكنها لا تقدم ضمانة كافية بأن العبء لن ينتقل إلى الناس، خصوصا في بلد أصبحت فيه كل زيادة تشغيلية تنتهي غالبا داخل فاتورة الأسرة.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج المواطن إلى نفي شفهي بأن ضريبة الغاز لن تمسه، بل يحتاج إلى نص مانع وآلية رقابة وفواتير شفافة، لأن الضرائب غير المباشرة لا تُقاس بمن يدفعها قانونيا فقط، بل بمن يتحملها فعليا في السوق.