تدخل قضية الإيجار القديم في مصر خلال يونيو 2026 واحدة من أخطر محطاتها، مع اقتراب جلسة المحكمة الدستورية العليا يوم 14 يونيو لنظر الدعوى المطالبة بعدم دستورية قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025، خصوصا المادة السابعة وسقوط المادة الثانية.

 

وتكشف المسارات القضائية والدراسات الاجتماعية أن الحكومة مررت قانونا يمس السكن اليومي لملايين الأسر، ثم بدأت وعود السكن البديل تتراجع أمام اعترافات بعدم كفاية الموارد والأراضي، ليبقى المستأجر الهش أمام شبح الإخلاء والمالك أمام أزمة ممتدة بلا حل عادل.

 

يونيو يفتح اختبار الدستورية أمام قانون الإيجارات

 

في البداية، ينتظر الشارع المصري جلسة 14 يونيو 2026 باعتبارها نقطة فاصلة في مصير القانون رقم 164 لسنة 2025، بعد تأجيل هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا الدعوى لضم مفرداتها وفحص الطعن على مواد تمس جوهر العلاقة الإيجارية.

 

ثم يتركز الجدل على المادة السابعة التي ترتبط بحالات الإخلاء، وعلى المادة الثانية التي تحدد نهاية عقود الأماكن السكنية بعد 7 سنوات وغير السكنية بعد 5 سنوات، بما يجعل النص القانوني بوابة مباشرة لمخاوف الإخلاء واسع النطاق.

 

وبحسب القانون، تبدأ زيادة القيمة الإيجارية تدريجيا، ثم ترتفع سنويا بنسبة 15% بعد تحديد القيم الجديدة، وهي زيادة تتحول مع الوقت إلى ضغط متراكم على المستأجرين أصحاب الدخول الضعيفة والمتقاعدين والعمالة غير المنتظمة.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي خالد علي، المحامي الحقوقي، زاوية المساءلة الدستورية، لأن ملف السكن عنده لا ينفصل عن الحق في التقاضي والحماية الاجتماعية وضرورة ألا يتحول حق الملكية إلى ذريعة لتهديد الحق في السكن.

 

لذلك لا تبدو جلسة يونيو إجراء عاديا داخل محكمة، بل تبدو اختبارا لقانون مررته السلطة وسط خوف اجتماعي واسع، لأن المحكمة الدستورية قد تصبح المسار الوحيد القادر على وقف نصوص قد تفتح باب إخلاء قاس.

 

كما أن الحديث عن تعديل 5 مواد من القانون، وبينها أفكار تتعلق بتخفيف بند الطرد بعد 7 سنوات أو إعادة صياغة الزيادة السنوية، يكشف أن التشريع لم يستقر حتى بعد صدوره، وأن السلطة تواجه ارتداد القانون اجتماعيا.

 

ومن هنا، يصبح سؤال يونيو أخطر من كونه موعدا قانونيا، لأنه يحدد هل تستمر الدولة في دفع الأزمة إلى البيوت القديمة، أم ينجح المسار الدستوري في رد قانون لم يضع شبكة حماية واضحة قبل الإخلاء.

 

دراسات السكان تكشف أن المستأجرين ليسوا كتلة ميسورة

 

على الجانب الاجتماعي، أظهرت بيانات منسوبة إلى دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن ربع المستأجرين من النساء، وأن ثلثي المستأجرين تتجاوز أعمارهم 50 عاما، وهي أرقام تكشف هشاشة عمرية ونوعية لا تحتمل صدمة سكنية مفاجئة.

 

وبحسب عرض الدكتورة هبة عبد العزيز عرابي، فإن ثلث المستأجرين يعملون في القطاع غير الرسمي أو العمالة غير المنتظمة، بينما يقل دخل ثلث آخر عن 2000 جنيه شهريا، ما يجعل الزيادة والإخلاء تهديدا مباشرا لا مجرد تعديل تعاقدي.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي هبة عرابي محور الخطر الاجتماعي، لأنها تربط بين بيانات السكان والدخل والعمر وبين استحالة الإلغاء الكامل والفوري للقوانين القديمة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية دون فتح باب تشريد واسع.

 

لذلك لا يصح تصوير المستأجرين باعتبارهم كتلة واحدة تستغل الملاك، لأن جزءا واسعا منهم يعيش على معاش أو عمل يومي أو دخل غير ثابت، وأي زيادة متراكمة قد تسحب من ميزانية الغذاء والعلاج لا من فائض الرفاهية.

 

كذلك لا يمكن تجاهل أن الملاك تعرضوا لظلم طويل بسبب تجميد القيمة الإيجارية وانخفاض العائد، لكن علاج ظلم المالك لا يجوز أن يتم بإنتاج ظلم جديد ضد المستأجر الهش، خصوصا عندما تتخلى الدولة عن دورها في التمويل والحماية.

 

وبسبب هذه التركيبة، يصبح الحل العادل مشروطا بفترات انتقالية طويلة، وتحريك محسوب للقيمة، وإخلاء الوحدات المغلقة فعلا، وتمويل بدائل للفئات الأضعف، لا تمرير قانون سريع يجعل كل أسرة تواجه السوق وحدها.

 

وعلى هذا الأساس، تكشف الدراسات أن الأزمة ليست بين مالك ومستأجر فقط، بل بين مجتمع تركته الدولة عقودا داخل تشريعات مؤجلة، ثم قررت فجأة نقل الكلفة إلى الأطراف الضعيفة في لحظة غلاء غير مسبوقة.

 

السكن البديل يسقط أمام اعترافات الموارد الغائبة

 

في المقابل، جاءت تصريحات منسوبة إلى مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي، لتفجر جوهر الأزمة، بعدما أكدت أنه لا توجد موارد ولا أموال ولا أراض كافية لبناء السكن البديل للمخاطبين بقانون الإيجار القديم.

 

ثم جعل هذا التصريح وعود الحكومة السابقة موضع اتهام مباشر، لأن السلطة قدمت فكرة البديل السكني كوسادة اجتماعية لتمرير القانون، ثم ظهرت حدود التنفيذ عندما صار السؤال عن التمويل والأرض والوحدات القريبة من حياة الناس.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي يحيى شوكت، الباحث العمراني، محور البديل السكني، لأنه يؤكد في أبحاثه أن السكن ليس مساحة مغلقة فقط، بل موقع وعمل ومدرسة وجيرة وشبكة حياة لا يمكن نقلها بقرار إداري.

 

لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إن المستأجر غير القادر سيحصل على بديل، إذا كان الصندوق نفسه لا يملك الموارد الكافية، وإذا كانت الوحدات المحتملة بعيدة عن الأحياء التي يعمل فيها الناس ويتعلم فيها أبناؤهم ويتلقى كبار السن علاجهم.

 

كما أن السكن البديل لا يحل أزمة المالك وحده، لأن تأخير التعويض العادل أو ربطه بسوق غير منظم يبقي العقارات القديمة في وضع صراع، ويجعل المالك والمستأجر كلاهما ضحية لسياسة أجلت الحل حتى صار انفجارا اجتماعيا.

 

وبالتوازي، يطرح تصريح غياب الموارد سؤالا عن أولويات الإنفاق العام، لأن الدولة توسعت في طرق ومدن ومشروعات عقارية ضخمة، ثم تعلن عجزها عن حماية الأسر التي قد تفقد سكنها بسبب قانون صادر عنها.

 

ومن ثم، تبدو الكارثة السكنية المحتملة في يونيو ناتجة عن ثلاثة مسارات متزامنة، قانون مطعون عليه، ودراسات تحذر من هشاشة المستأجرين، وسكن بديل بلا موارد كافية، وهي تركيبة تجعل تطبيق القانون بصيغته الحالية مقامرة اجتماعية.

 

وفي النهاية، لن يكون رد القانون أو تجميده هزيمة للملاك، بل فرصة لصياغة حل أكثر عدالة، يرفع الظلم عن صاحب الملك تدريجيا، ويحمي كبار السن والأرامل والعمالة اليومية من الطرد، ويلزم الحكومة بدفع كلفة الأزمة التي تركتها تتضخم.

 

وبهذا المعنى، قد يتحول يونيو إلى شهر الكارثة السكنية إذا أصرت السلطة على القانون دون بديل، وقد يتحول إلى فرصة إنقاذ إذا انتصر المسار الدستوري والدراسات الاجتماعية على منطق تمرير التشريعات فوق رؤوس السكان.