كشفت دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أن 20% من أطباء القطاع الخاص في مصر رفعوا رسوم الكشف الطبي بعد زيادة أسعار الوقود في مارس 2026، بمتوسط زيادة بلغ 106 جنيهات للكشف الواحد، وبنسبة قاربت 25% من قيمة الكشف الأصلية، ما فجّر تحركًا رقابيًا داخل البرلمان.
وتحوّلت الزيادة من قرار حكومي في أسعار المحروقات إلى عبء مباشر على المرضى، بينما تركت الحكومة سوق العلاج الخاص بلا سقف معلن ولا قاعدة بيانات شفافة. ويضع ذلك ملايين الأسر أمام معادلة قاسية، لأن المريض لا يشتري خدمة ترفيهية بل يبحث عن تشخيص ودواء في وقت تضيق فيه بدائل المستشفيات العامة.
أرقام الزيادة تكشف فجوة بين الوقود وأسعار الكشف
اعتمد المركز المصري للدراسات الاقتصادية على عينة شملت 12180 طبيبًا من القطاع الخاص في مختلف المحافظات، وقارن أوضاع السوق بين بداية مارس ونهايته. وأظهرت المقارنة أن زيادة رسوم الكشف لم تتحرك فقط مع تكلفة التشغيل، بل تجاوزت أثر الوقود وتحولت إلى رفع واسع في إيرادات بعض العيادات.
وكانت الحكومة قد رفعت أسعار الوقود في 10 مارس 2026 بمتوسط اقترب من 17%. وارتفع بنزين 80 من 17.75 جنيه إلى 20.75 جنيه، وصعد بنزين 92 من 19.25 جنيه إلى 22.25 جنيه، بينما زاد السولار من 17.50 جنيه إلى 20.50 جنيه.
وبحسب الدراسة، جاءت تخصصات النساء والتوليد والطب النفسي وجراحة العظام ضمن أكثر التخصصات التي رفعت أسعار الكشف بعد تحريك الوقود. واعتبر المركز أن الزيادات غير عادلة نسبيًا، لأنها تجاوزت نسب رفع المحروقات وتخطت معدلات التضخم الشهرية الرسمية التي دارت حول مستويات أقل بكثير.
وفي هذا السياق، يربط أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور مدحت نافع بين موجات رفع أسعار الخدمات واستمرار التضخم الأصعب على الأسر. ويخدم هذا الرأي محور الفجوة السعرية، لأن رفع كشف الطبيب بنسبة كبيرة لا يعكس تكلفة انتقال محدودة فقط، بل يضيف موجة ضغط جديدة على ميزانية الأسرة.
كما يوضح التقرير أن الطبيب يتحمل تكلفة تشغيل أو انتقال محدودة نسبيًا، لكنه يوزع أثر هذه الزيادة على عدد كبير من المرضى يوميًا. وبذلك تصبح الحجة المرتبطة بالوقود أوسع من أثرها الحقيقي، وتتحول الزيادة الصغيرة في التكلفة إلى زيادة متكررة في الإيراد المحصل من كل كشف.
غياب الإيصال الرسمي يضع العيادات خارج الرقابة
أشار المركز إلى أن آليات ضبط الأسعار في القطاع الطبي لا تزال ضعيفة، لأن جهاز حماية المستهلك يعتمد غالبًا على الشكاوى وردود الفعل. وتزداد المشكلة مع غياب الإيصالات الرسمية في عدد كبير من العيادات الخاصة، ما يجعل إثبات السعر ومحاسبة المخالفين مهمة شاقة على المريض والجهة الرقابية.
ويعطي هذا الخلل للعيادات الخاصة مساحة واسعة للتحرك خارج أي رقابة مسبقة، لأن المريض يدفع غالبًا قبل الحصول على الخدمة ولا يملك مستندًا كافيًا لإثبات الزيادة. وتتحمل الحكومة المسؤولية السياسية هنا، لأنها رفعت أسعار الوقود ولم تضع في الوقت نفسه نظامًا معلنًا لضبط أثر القرار على الخدمات الأساسية.
ويؤكد الدكتور رشوان شعبان، ممثل نقابة الأطباء، أن النقابة العامة للأطباء هي الجهة المختصة قانونًا بتحديد تسعيرة الكشف. وتخدم هذه النقطة محور الرقابة، لأنها تنقل النقاش من الشكوى الفردية بعد الضرر إلى ضرورة وجود إطار مهني معلن يضبط السعر قبل أن يدفع المريض فاتورة الزيادة.
غير أن وجود اختصاص نقابي لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها، لأن وزارة الصحة وجهاز حماية المستهلك ومجلس الوزراء يملكون أدوات تنظيم السوق وإلزام مقدمي الخدمة بالشفافية. وغياب قاعدة بيانات رسمية لأسعار الكشف يترك المواطن وحده أمام سعر يتغير بلا معيار معلن وبلا إيصال يثبت ما دفعه.
وتتسع الأزمة مع نقاشات أخرى حول هجرة الأطباء ونقص الكوادر، إذ تشير أرقام متداولة إلى وجود 95 ألف طبيب لخدمة 110 ملايين مواطن. كما تعود ملفات السماسرة وتجار الوهم داخل المجال الطبي لتكشف أن السوق الصحي يحتاج رقابة شاملة، لا حملة مؤقتة بعد كل موجة غضب.
طلب الإحاطة يحاصر الحكومة بسؤال العدالة الصحية
وتقدم النائب عاصم عبد العزيز مرشد عضو مجلس النواب بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، موجّهًا إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان. وركز الطلب على ارتفاع رسوم الكشف لدى عدد من أطباء القطاع الخاص بعد زيادة الوقود التي أقرتها الحكومة في مارس 2026.
وأشار مرشد إلى أن نحو 20% من الأطباء رفعوا أسعار الكشف بنسب وصلت في بعض الحالات إلى 25%. واعتبر النائب أن هذه النسبة تفوق الزيادة الفعلية في الوقود، وتكشف غياب الضوابط الرقابية وترك أسعار الخدمات الطبية دون إطار تنظيمي واضح، رغم ارتباطها المباشر بحق المواطن في العلاج.
كذلك شدد النائب على أن استمرار الوضع الحالي يضاعف العبء على الأسر المصرية، خاصة أن شريحة واسعة من المواطنين تلجأ إلى القطاع الخاص بسبب الضغط على المستشفيات الحكومية. وهنا تتحول الزيادة من تصرف فردي داخل عيادة إلى نتيجة مباشرة لعجز الدولة عن توفير بديل عام كاف وسريع.
وطرح مرشد أسئلة محددة حول العلاقة بين رفع أسعار الكشف في العيادات الخاصة وزيادة الوقود، وحول الآليات الرقابية المتبعة لضبط أسعار الخدمات الطبية. كما سأل عن وجود معايير تربط تكلفة التشغيل الفعلية برسوم الكشف المعلنة، وعن خطة حكومية تضبط علاقة التضخم العام بأسعار الخدمات الصحية.
ويضع الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني الأزمة داخل مسار أوسع يرتبط بتراجع دور الدولة وتوسع الاعتماد على القطاع الخاص في الصحة. وتخدم ملاحظته محور العدالة الصحية، لأن السوق الخاص عندما يصبح بوابة العلاج الأساسية يفرض السعر على المريض بدل أن يخضع السعر لمصلحة عامة واضحة.
لذلك طالب النائب بإنشاء قاعدة بيانات رسمية لأسعار الخدمات الطبية لضمان الشفافية ومنع المبالغة. ويمثل هذا الطلب خطوة أولى لا تكفي وحدها، لأن الحكومة مطالبة أيضًا بإلزام العيادات بإعلان السعر وإصدار إيصال رسمي، وربط أي زيادة بتكلفة مثبتة لا بذريعة عامة اسمها الوقود.
وفي النهاية، تكشف أزمة رفع أسعار الكشف بعد زيادة المحروقات أن الحكومة صدّرت كلفة قراراتها إلى المواطنين ثم تركت السوق يضيف هامشًا جديدًا على المرضى. ولا يمكن حماية حق العلاج بخطابات عن الرقابة، بل بقرارات ملزمة تعلن الأسعار وتلزم الإيصالات وتمنع تحويل المرض إلى فرصة ربح إضافية.

