رحل الأستاذ الدكتور خالد فهمي، أستاذ علوم اللغة بكلية الآداب في جامعة المنوفية وخبير مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بعد مسيرة علمية وثقافية امتدت لعقود، ترك خلالها حضورا بارزا في الدراسات اللغوية والمعجمية العربية، وإرثا معرفيا تجاوز حدود القاعة الجامعية إلى دوائر الثقافة والهوية والوعي العام.
لم يكن خالد فهمي اسما عابرا في حقل اللغة العربية، بل كان واحدا من الباحثين الذين تعاملوا مع اللغة بوصفها قضية أمة لا مجرد مادة أكاديمية. جمع بين الدرس الجامعي والتحقيق التراثي والعمل المؤسسي، وترك أكثر من 60 كتابا ودراسة منشورة في اللغة واللسانيات والمعجمية وتحقيق النصوص، بما جعله أحد الوجوه المعاصرة المؤثرة في خدمة العربية.
مسيرة علمية بدأت من القليوبية ووصلت إلى الأستاذية
ولد الدكتور خالد فهمي إبراهيم في محافظة القليوبية عام 1970، ونشأ في بيئة مصرية حملته مبكرا إلى طريق العلم والدرس اللغوي. التحق بكلية الآداب في جامعة عين شمس، وتخرج فيها عام 1991 بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، ليبدأ بعدها مسارا أكاديميا واضحا اختار فيه علوم اللغة مجالا للتخصص والعطاء.
حصل فهمي على درجة الماجستير عام 1995 عن رسالته حول الجهود اللغوية للثعالبي، وهي محطة مبكرة كشفت اهتمامه العميق بالتراث العربي وبالجهود التي صنعت الذاكرة اللغوية للأمة. لم يتعامل مع التراث بوصفه نصوصا قديمة مغلقة، بل بوصفه مادة حية قابلة للفهم والتحليل وإعادة القراءة.
وفي عام 1999 نال درجة الدكتوراه من جامعة المنوفية بمرتبة الشرف الأولى عن أطروحته تراث المعاجم الفقهية في العربية، وهي دراسة عكست اتساع اهتمامه بالمعجم العربي وصلته بالفقه والمعرفة الاصطلاحية. ومنذ تلك اللحظة، أخذ اسمه يتقدم داخل حقل المعجمية العربية بوصفه باحثا صاحب مشروع لا مجرد دارس متخصص.
تدرج الراحل في المناصب الجامعية من معيد في جامعة حلوان إلى أستاذ بكلية الآداب في جامعة المنوفية عام 2011، وشارك في تخريج أجيال من الباحثين والطلاب. كان حضوره الأكاديمي قائما على الجمع بين الصرامة العلمية والقدرة على فتح أبواب اللغة أمام أسئلة المجتمع والثقافة.
باحث جعل اللغة قضية ووعيا
ارتبط اسم خالد فهمي بمشروع فكري يرى أن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للهوية ومرآة للتحولات الحضارية. لذلك لم تنحصر كتاباته في حدود القواعد أو المعاجم، بل امتدت إلى اللسانيات وتحليل الخطاب والبلاغة وقضايا المجتمع وعلاقة اللغة بالتنمية والإنسان.
قدّم الراحل عشرات المؤلفات والدراسات التي تنوعت بين التحقيق العلمي للنصوص التراثية والدراسات اللسانية والمعجمية. ومن أبرز أعماله ثقافة الاستهانة، وزمان المعجم، وسطوة اللسانيات، وأنشودة المتن والهامش، وهي كتب تكشف انشغاله بالسؤال الثقافي إلى جانب السؤال اللغوي.
كان فهمي معنياً بإعادة وصل القارئ العربي بتراثه اللغوي من غير انغلاق، وبالاستفادة من اللسانيات الحديثة من غير قطيعة مع الجذور. هذه المساحة الوسطى منحت مشروعه خصوصية، لأنه لم يتعامل مع التراث كعبء، ولم يتعامل مع الحداثة كإلغاء للموروث، بل سعى إلى بناء جسر بين العالمين.
كما شغل مواقع ثقافية وعلمية مهمة، من بينها رئاسة مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، وعضوية المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، واتحاد كتاب مصر، إلى جانب عمله خبيرا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. هذه المواقع منحت حضوره طابعا مؤسسيا، وجعلته مشاركا في صناعة القرار الثقافي والتعليمي لا مراقبا له من بعيد.
رحيل يفتح باب التقدير والذاكرة
أعلن مجمع اللغة العربية بالقاهرة نعي الدكتور خالد فهمي بعد وفاته، مؤكدا أنه أسهم في إثراء المكتبة العربية بأكثر من 60 كتابا ودراسة، وأنه ترك أثرا واضحا في خدمة اللغة العربية والبحث العلمي. جاء نعي المجمع اعترافا بمكانته داخل واحدة من أهم المؤسسات المعنية بحماية العربية وتطويرها.
وتردد صدى الرحيل داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية، حيث نعاه باحثون ومثقفون وكتاب وتلاميذ رأوا فيه عالما جمع بين التواضع والحضور العلمي. واستحضر أستاذ اللغة واللسانيات الدكتور سعد مصلوح علاقته بالراحل بكلمات مؤثرة، عبّر فيها عن فاجعة شخصية وعلمية في آن واحد.
كما نعته جماعة الإخوان المسلمين بوصفه عالما لغويا جليلا وأحد أبناء الأمة الذين خدموا اللغة العربية وعلومها، مشيرة إلى حضوره في دوائر ثقافية متعددة وقدرته على التواصل مع تيارات مختلفة دون صدام. يعكس هذا النعي جانبا من حضوره العام واتساع شبكة علاقاته خارج الإطار الجامعي الضيق.
ترك خالد فهمي وراءه سيرة عالم لم يكتف بالتخصص، بل حوّل اللغة إلى مجال للدفاع عن الوعي والهوية. وبرحيله تفقد العربية واحدا من أبنائها الذين حملوا المعجم إلى قلب الثقافة، وجعلوا البحث اللغوي عملا ممتدا في الذاكرة والمؤسسة والإنسان.

