كشفت مبادرتا وزارة التجارة ووزارة التنمية المحلية ووزارة المالية عبر «جو جرين»، في مصر، عجز الحكومة عن إنهاء عشوائية التوك توك رغم تقديرات تتحدث عن 3 إلى 4 ملايين مركبة تجوب شوارع العاصمة القاهرة والمحافظات، بعدما بقي الإحلال بسيارات تعمل بالغاز والحافز الأخضر بلا انتشار فعلي في الشوارع.
وتحوّل الملف إلى شاهد مباشر على سياسة حكومية تعلن التطوير من أعلى ثم تترك أصحاب الدخول اليومية أمام أسعار سيارات مرتفعة وشروط تمويل خانقة وإدارات محلية عاجزة، بينما يدفع السكان في القرى والأحياء الشعبية ثمن غياب النقل العام الآمن والمنظم.
مبادرتان بلا تنفيذ فعلي
بدأت الحكومة المسار الأول عبر وزارة التجارة بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية لتقنين أوضاع التوك توك وإحلاله بسيارات صغيرة تعمل بالغاز الطبيعي، وقدّمت هذا المسار باعتباره حلًا للعشوائية والمرور والأمن، لكن التنفيذ بقي محصورًا في إعلانات وتجارب محدودة لا تغير خريطة الشوارع.
وفي المسار الثاني، طرحت وزارة المالية مبادرة «جو جرين» ضمن المشروع القومي لإحلال المركبات، وقدّمت الحافز الأخضر كأداة لتشجيع التحول إلى مركبات تعمل بالطاقة النظيفة، غير أن شروط الاستفادة من المبادرة بقيت أقرب إلى ملاك السيارات المتقادمة منها إلى أصحاب التكاتك غير المرخصة.
وبسبب هذا الخلل، أصبح الحافز الأخضر عنوانًا جذابًا لا يصل إلى قلب الأزمة، لأن صاحب التوك توك يحتاج أولًا إلى ترخيص واضح وقسط محتمل ودخل ثابت يضمن السداد، بينما تضع الحكومة أمامه سيارة بديلة أغلى من قدرته وسوق عمل غير مضمون.
كما كشف إعلان «جو جرين» عن انتهاء أعمال المبادرة الرئاسية السابقة في فبراير 2025 ثم الحديث عن مبادرة بديلة لتحويل السيارات للعمل بالغاز أن الحكومة تتنقل بين صيغ جديدة قبل معالجة فشل الصيغة القديمة، وهو ما يضرب ثقة السائقين في أي وعد جديد.
وقال مصطفى الدسوقي خبير السيارات إن إحلال التوك توك بسيارات بديلة قد يحتاج ما بين 10 و15 عاما إذا استمرت الفجوة بين حجم المركبات المنتشرة وقدرة السوق على توفير بدائل مناسبة، وتخدم هذه الشهادة محور التنفيذ لأنها تكشف أن الأزمة أكبر من دفعة سيارات محدودة.
التمويل يحاصر السائق قبل الترخيص
وتعود أسباب التعطيل إلى ارتفاع أسعار السيارات البديلة بفعل التضخم وتراجع القدرة الشرائية، إذ لا يستطيع سائق يعمل بدخل يومي متذبذب أن يدخل قرضًا جديدًا وهو لا يعرف حجم الإيراد القادم، بينما تتعامل الحكومة مع القسط البنكي كأنه تفصيل إجرائي لا عبء معيشي.
لذلك لم ينجح التمويل البنكي في جذب أصحاب التكاتك، لأن البنوك تطلب مستندات وضمانات وانتظامًا في السداد لا يناسب قطاعًا واسعًا يعمل بلا ترخيص وبلا تأمين وبلا سجل دخل ثابت، وبذلك تحولت خطة الإحلال الطوعي إلى باب مغلق أمام الجمهور المستهدف.
وبحسب شروط مبادرة إحلال المركبات، تمنح الحكومة حافزًا أخضر بنسب تصل إلى 10% للسيارات الملاكي و20% للأجرة و25% للميكروباص بحد أقصى 65 ألف جنيه، لكن هذه المعادلة لا تكفي وحدها لإقناع سائق توك توك بديل مرتفع السعر في ظل مصروف يومي قاس.
كما أن الحديث الرسمي عن الطاقة النظيفة لا يرد على سؤال السائق الأساسي، لأن العامل لا يرفض الغاز الطبيعي أو السيارة المرخصة من حيث المبدأ، لكنه يرفض انتقالًا يرفع ديونه ويهدد مصدر رزقه ويضعه تحت رحمة إجراءات محلية وبنكية لا تقدم ضمانًا عمليًا.
وقال الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة المحلية إن عدد التكاتك في مصر يقدر بالملايين وإن غياب الترخيص يهدر موارد على الدولة ويترك كتلة عمل ضخمة خارج التنظيم، وتخدم هذه الشهادة محور التمويل لأنها تربط بين الفشل الإداري وخسارة الدولة والسائق معًا.
الشارع يدفع ثمن الخطة الورقية
في المقابل، تكشف التقديرات غير الرسمية عن فجوة ضخمة بين عدد التكاتك المنتشرة وعدد المركبات المرخصة، إذ تدور التقديرات بين 3 و4 ملايين مركبة، بينما تشير بيانات منشورة إلى 186918 توك توك مرخصًا فقط، وهو فارق يفضح إدارة حكومية لا تعرف حجم الملف الذي تعلن تنظيمه.
ومن هنا لا تمثل المشكلة مجرد مركبة صغيرة مزعجة في الزحام، بل تمثل شبكة نقل كاملة نشأت داخل فراغ رسمي، لأن القرى والمناطق الطرفية تحتاج وسيلة رخيصة وسريعة، والحكومة لم توفر بديلًا عامًا منتظمًا قبل أن تطالب الناس بالتخلي عن وسيلتهم الوحيدة.
ومع ذلك، يفرز الانتشار العشوائي مشكلات حقيقية لا يمكن تجاهلها، لأن التوك توك غير المرخص يخترق محاور رئيسية ويزيد التكدس ويصعب تتبعه في الحوادث والسرقات، كما يوسع مساحة العمل غير المؤمن للأطفال والشباب على حساب التعليم والحرف والصناعة.
وقال اللواء مدحت قريطم مساعد وزير الداخلية الأسبق للشرطة المتخصصة إن استبدال التوك توك بسيارات آمنة ومرخصة يمكن أن يحد من جرائم السرقة والحوادث المرورية، وتخدم هذه الشهادة محور الأمن لأنها تضع الترخيص والتتبع في قلب الحل لا في هامش الدعاية.
التجربة أقرب إلى شو إعلامي لا منظومة تشغيل كاملة
وبعد طرح سيارات «كيوت» في القاهرة والجيزة خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026، توقفت الخطوات التنفيذية ولم تنتشر السيارات كما روجت البيانات المحلية، رغم الحديث عن لون واحد وتعريفة موحدة وترخيص منظم، وهو ما جعل التجربة أقرب إلى صورة إعلامية لا منظومة تشغيل كاملة.
كما أوضح طلب الإحاطة الموجه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التنمية المحلية أن الإدارات المختصة بملف الإحلال موجودة بالفعل، لكنها ما زالت تعمل على الورق، وطالب بتسهيل إجراءات الحصول على السيارات البديلة وخفض الضرائب والرسوم ووضع خطة تسويق تدفع السائقين إلى الاستبدال.
وفي النهاية، لا تحتاج أزمة التوك توك إلى شعار جديد ولا منصة تسجيل أخرى، بل تحتاج قرارًا سياسيًا يضع الفقراء داخل الخطة لا خارجها، لأن الحكومة التي ترفع سعر البديل وتصعب التمويل وتترك الترخيص للإدارات المحلية لا تنظم الشارع بل تعيد إنتاج عشوائيته بوجه رسمي.

