كشفت بيانات رسمية عُرضت أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست عن تصاعد واسع في بلاغات التحرش والانتهاكات الجنسية داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعدما سجّل الجيش 2420 بلاغًا خلال عام 2025 تتعلق بسوء سلوك أو اعتداءات ذات طابع جنسي في ظروف مرتبطة بالخدمة العسكرية، بزيادة واضحة عن العام السابق.
وتضع هذه الأرقام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام أزمة داخلية متفاقمة، لا تتعلق فقط بحجم البلاغات، بل أيضًا بطريقة التعامل معها، ونسبة القضايا التي لا تصل إلى مسار جنائي كامل.
أرقام تكشف اتساع الأزمة
وبحسب البيانات التي عرضتها مستشارة رئيس أركان جيش الاحتلال لشؤون النوع الاجتماعي، العميد روزيتال أفيف، شملت البلاغات طيفًا واسعًا من الانتهاكات، يبدأ من التحرش اللفظي والسلوكيات المسيئة، ويمتد إلى اعتداءات جسدية أكثر خطورة. وأظهرت تقارير إسرائيلية أن عام 2025 شهد ارتفاعًا بنحو 16% في البلاغات مقارنة بعام 2024، فيما تحدثت وسائل إعلام عبرية عن زيادة تراكمية كبيرة خلال العقد الأخير.
ولا تبدو الأزمة مرتبطة بحوادث فردية معزولة، إذ تشير البيانات إلى أن البلاغات جاءت من فئات متعددة داخل المؤسسة العسكرية، بينها جنود مجندون، وقوات احتياط، وضباط، وضباط صف. كما أظهرت الأرقام أن النساء كنّ النسبة الأكبر بين الضحايا، فيما شكّل الرجال النسبة الأكبر بين المتهمين أو المشتبه بارتكابهم الانتهاكات، وهو ما يعكس خللًا بنيويًا في بيئة الخدمة العسكرية وآليات الرقابة الداخلية.
مسار جنائي محدود
ورغم ضخامة عدد البلاغات، فإن عدد القضايا التي وصلت إلى المسار الجنائي ظل محدودًا. فقد جرى تقديم 234 شكوى جنائية فقط خلال عام 2025، أسفرت عن 42 لائحة اتهام و21 إجراءً تأديبيًا، بينما عولجت نسبة كبيرة من الملفات داخل التسلسل القيادي العسكري، عبر إجراءات إدارية أو جلسات قيادية، بدل إحالتها إلى مسار قضائي كامل.
وتقول تقارير إسرائيلية إن 10% فقط من الحالات جرى التعامل معها عبر المسار الجنائي، بينما عولجت 59% عبر المسار القيادي أو الإداري داخل الجيش.
هذا النمط من المعالجة يثير تساؤلات حول مدى جدية المؤسسة العسكرية في مواجهة الظاهرة، خصوصًا أن الاكتفاء بإجراءات داخلية قد يضع الضحية في مواجهة بيئة هرمية مغلقة، ويمنح القيادة العسكرية سلطة تقدير واسعة في قضايا يفترض أن تخضع لتحقيق مستقل وشفاف.
دعوات إلى سياسة عدم التسامح
وخلال مناقشة البيانات داخل الكنيست، شددت رئيسة اللجنة بالإنابة، النائبة شارون نير، على ضرورة التعامل مع قضايا التحرش والانتهاكات الجنسية بسياسة “عدم التسامح مطلقًا”، في إشارة إلى القلق المتزايد من تحول الظاهرة إلى أزمة متكررة داخل القوات المسلحة. كما ربطت بعض التعليقات الإسرائيلية ارتفاع البلاغات بظروف الحرب والتعبئة الواسعة لقوات الاحتياط، غير أن هذا التفسير لا يلغي مسؤولية القيادة العسكرية عن توفير بيئة آمنة ومنع الإفلات من المحاسبة.
فالظروف العسكرية الضاغطة لا يمكن أن تكون مبررًا للتساهل مع جرائم أو انتهاكات جنسية، بل يفترض أن تدفع إلى تشديد الرقابة، وتوسيع قنوات الإبلاغ الآمن، وحماية المبلغين من الانتقام أو الضغط داخل الوحدات.
انفلات يتجاوز الداخل العسكري
وتأتي هذه البيانات في وقت تتعرض فيه سلوكيات جنود الاحتلال لانتقادات واسعة، ليس فقط داخل المؤسسة العسكرية، بل أيضًا في ساحات القتال والاحتلال. فقد تكررت خلال الحرب على قطاع غزة مشاهد نشرها جنود إسرائيليون من داخل منازل فلسطينية جرى اقتحامها، تضمنت صورًا بملابس نسائية ومقتنيات شخصية، إلى جانب اتهامات متكررة بالنهب والإهانة والتعامل المهين مع المدنيين والممتلكات.
كما أثارت تقارير عن سلوكيات مشابهة في لبنان وغزة تساؤلات أوسع حول ثقافة الانفلات داخل صفوف الجيش، ومدى تأثير الحرب الطويلة على الانضباط العسكري، خاصة عندما تتحول الانتهاكات إلى مادة للتباهي على وسائل التواصل الاجتماعي بدل أن تكون سببًا للمساءلة.
أزمة ثقة داخلية
تكشف أرقام عام 2025 أن جيش الاحتلال لا يواجه فقط انتقادات خارجية مرتبطة بجرائمه في غزة ولبنان، بل يواجه أيضًا أزمة ثقة داخلية بين أفراده، خصوصًا النساء والمجندات. فارتفاع البلاغات بهذا الشكل يعكس إما تفاقم الظاهرة، أو تزايد استعداد الضحايا للإبلاغ، وفي الحالتين فإن النتيجة واحدة: المؤسسة العسكرية أمام اختبار حقيقي في الشفافية والمحاسبة.
وما لم تتحول سياسة “عدم التسامح” من شعار سياسي إلى إجراءات تحقيق مستقلة وعقوبات رادعة، ستبقى الأرقام الجديدة دليلًا على أزمة أعمق داخل جيش الاحتلال، حيث تتقاطع الحرب والانفلات وضعف المحاسبة في بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات بدل وقفها.

