تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة يوماً بعد آخر، مع تحذيرات متصاعدة من انهيار وشيك لقطاع المخابز، في ظل النقص الحاد بزيوت التشغيل واستمرار تعطل المولدات الكهربائية ووسائل النقل، الأمر الذي يهدد بحرمان أكثر من مليوني فلسطيني من مصدرهم الأساسي للغذاء.
وأطلقت جمعية المخابز في قطاع غزة تحذيراً شديد اللهجة من “توقف كلي وشيك” لعمل المخابز خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أن استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الزيوت الخاصة بالمولدات وشاحنات النقل منذ أكثر من ثلاثة أشهر أدخل القطاع في أزمة تشغيل غير مسبوقة، انعكست بصورة مباشرة على إنتاج الخبز وأسعاره وقدرة المواطنين على الحصول عليه.
وقال رئيس جمعية المخابز عبد الناصر العجرمي، في تصريحات صحفية، إن أسعار زيوت التشغيل شهدت ارتفاعاً هائلاً نتيجة استمرار الحصار ومنع دخول الإمدادات، موضحاً أن سعر اللتر الواحد وصل إلى نحو 2000 شيكل، بعد أن كان يباع بأسعار أقل بكثير قبل اندلاع الأزمة الحالية.
وأضاف أن هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار جعل تشغيل المخابز أمراً بالغ الصعوبة، خاصة مع اعتماد غالبية المخابز في القطاع على المولدات الكهربائية بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية خلال الحرب.
وأشار العجرمي إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على تشغيل الأفران فقط، بل امتدت إلى شاحنات توزيع الخبز والمياه، التي تواجه بدورها صعوبات حادة بسبب نقص الوقود والزيوت، ما يهدد بانقطاع سلاسل الإمداد الغذائية داخل القطاع، ويزيد من معاناة السكان والنازحين في مراكز الإيواء.
توقف المخابز المدعومة وتراجع المساعدات
وفي سياق متصل، كشف العجرمي أن المخابز المتعاقدة مع منظمة “المطبخ العالمي” توقفت عن العمل منذ نحو شهرين، حتى قبل إعلان المنظمة تقليص عملياتها الإنسانية داخل قطاع غزة، موضحاً أن عدداً من المخابز جرى إيقافه دون تقديم توضيحات كافية.
وبيّن أن الجهات المشرفة بررت عمليات الإيقاف بنقص الموازنات وصعوبة إدخال البضائع والمواد التشغيلية عبر المعابر، وهو ما تسبب في تقليص كميات الخبز المدعوم المتاحة للأسر الفقيرة والنازحين.
وأكد أن هذا التراجع في الدعم الإغاثي يأتي في وقت يعيش فيه القطاع أوضاعاً اقتصادية كارثية، مع تجاوز معدلات البطالة والفقر حاجز 85%، الأمر الذي يجعل مئات آلاف الأسر غير قادرة على شراء احتياجاتها الأساسية أو تأمين الغذاء اليومي.
ثلاثة أسعار للخبز وسط أزمة معيشية خانقة
وأوضح العجرمي أن أسعار الخبز في قطاع غزة أصبحت تخضع لثلاثة مستويات مختلفة بحسب طبيعة الدعم المقدم للمخابز، في ظل الفجوة الكبيرة بين كلفة التشغيل والدعم المتاح.
وأشار إلى أن ربطة الخبز التي تزن كيلوغرامين وتلقى دعماً كاملاً من الطحين والسولار عبر برنامج الأغذية العالمي تباع بسعر 3 شواكل فقط، وهي الكميات التي تغطي قرابة نصف احتياجات السكان.
أما الربطة المدعومة جزئياً بالسولار فقط فتصل إلى 8 شواكل، بينما تُباع الربطة غير المدعومة بسعر يصل إلى 14 شيكلاً، وهو رقم يفوق قدرة كثير من العائلات التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والدمار.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التفاوت في الأسعار، بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي الحاد، قد يدفع شريحة واسعة من سكان القطاع إلى مواجهة خطر الجوع الفعلي، خصوصاً في المناطق المكتظة بالنازحين.
توفر الطحين مقابل أزمة تشغيل خانقة
ورغم التحذيرات المتصاعدة، أكد العجرمي أن مادة الطحين لا تزال متوفرة حتى الآن، إلى جانب المواد الأساسية الأخرى مثل السكر والخميرة والملح وأكياس النايلون، نافياً وجود نقص حاد فيها خلال الوقت الراهن.
وأوضح أن التنسيق القائم سمح بإدخال “الطحين التجاري” وبعض المواد الخام عبر المعابر خارج إطار الكوتا المخصصة للتجار، ما ساهم مؤقتاً في تجنب نفاد المخزون.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن توفر الطحين وحده لا يكفي لاستمرار عمل المخابز، في ظل غياب الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل المولدات والمركبات، مؤكداً أن القطاع يقترب من مرحلة “الشلل الكامل” إذا استمرت القيود الحالية.
المخابز.. خط الدفاع الأخير للأمن الغذائي
وأكد رئيس جمعية المخابز أن قطاع المخابز يمثل اليوم أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي لنحو 2.3 مليون فلسطيني داخل قطاع غزة، خاصة بعد تضرر آلاف المنازل والمطابخ وانهيار الخدمات الأساسية.
وأوضح أن المخابز الآلية، سواء المدعومة أو التجارية، أصبحت المصدر شبه الوحيد لتوفير الخبز والغذاء الجاهز للسكان، خصوصاً للنازحين المقيمين داخل المدارس ومراكز الإيواء والخيام.
وحذر من أن أي توقف واسع للمخابز سيؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة قد تشمل اتساع دائرة المجاعة ونقص الغذاء، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية والخدمية من انهيار غير مسبوق.
وتتزايد التحذيرات المحلية والدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، مع استمرار الحرب وتقييد دخول الإمدادات الأساسية، وسط مخاوف من دخول القطاع في مرحلة انهيار غذائي شامل إذا لم يتم التحرك بشكل عاجل لتأمين احتياجات السكان الأساسية، وعلى رأسها الوقود وزيوت التشغيل والمواد الإغاثية.

