وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

ولمّا تجاوز التسعين من عمره، فاجأ محمود عبّاس رئيس ما تُسمّى "السلطة الوطنية الفلسطينية" جمهوره بإمكانات كوميدية هائلة، خلال انعقاد المؤتمر العام لحركة فتح نهاية الأسبوع الماضي، حين تقمّص شخصية الزعيم عادل إمام، وقال: "اتفاق أوسلو الخياني بدنا إياه، بدنا نحافظ عليه". لم يكن ذلك خروجًا فُكاهيًا على النصّ، بل كان الموضوع الأساس والنقطة المحورية في العرض المسرحي كلّه، إذ كان يوجّه رسالة إلى من بيده الأمر، مُلخّصها أنّه قابض على "أوسلو" كالقابض على الجمر، وفيًّا مُخلصًا لا يحيد عن نصوصها المُقدّسة، حتى وإن اعتبرها خصومه نصوصًا للخيانة.

 

كان عبّاس يتحدّث بوصفه رئيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) التي انطلقت رسميًّا في الفاتح من يناير 1965 مُعلنة تنفيذ أولى عملياتها العسكرية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي (عملية نفق عيلبون)، وبقي هذا عيدًا سنويًّا التاريخ لتأسيس الحركة، قبل أن تهبّ رياح السلام السام، وتحوّلها من منظّمة للتحرير إلى سلطة يحميها الكيان الصهيوني، ويعتبرها جزءًا من منظومته الأمنية، وخصوصًا مع تولي محمود عبّاس زمام القيادة، وتحويل دفّة العداء من الاحتلال إلى الذين يقاومون الاحتلال.

 

من حيث أراد محمود عبّاس أن يسخر من المقاومين وخيارهم، فإنّه وضعنا أمام حقيقة الواقع الحالي لاتفاق أوسلو الذي لم يكن في نظر العدو الصهيوني سوى منشفة ورقية يغسل بها يديه من جرائم ومذابح ارتكبها ضدّ الشعب الفلسطيني على مدى 78 عامًا، ثم يلقيها في سلة المهملات، على نحو ما يعتزم الكنيست مناقشة تنفيذه، حيث كان من المقرّر استباقًا لمؤتمر فتح أن تناقش اللجنة الوزارية للشؤون التشريعية في الكنيست مشروع قانون يسعى إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو واتفاقية الخليل‏، لولا أنّ نتنياهو تدخّل في اللحظات الأخيرة، طالبًا تأجيل القانون الذي ينصّ مشروعه على إلغاء الاتفاقيات الموقّعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين‏ إلغاءً تامًّا، بحيث تصبح غير ملزِمة لدولة إسرائيل أو أي جهة تُمثّلها.

 

النكتة السمجة أو المزحة، أو ارتجال محمود عبّاس، هو الحقيقة من حيث أراد النيْل من منكريها، لأنّ الاتفاق خياني فعلًا بمعايير حركة فتح نفسها التي تأسّست على مبادئ وأهداف أساسية، هي تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا، وإقامة الدولة: إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس، وحقّ العودة: ضمان حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هُجّروا منها، من خلال الكفاح المسلّح الذي أكّدت الحركة في نظامها الأساسي أنّه الوسيلة الاستراتيجية الوحيدة لتحرير فلسطين، مع الانفتاح على كل أشكال النضال السياسي والدبلوماسي والجماهيري التي تخدم الهدف الأساسي.

 

سيقول لك محمود عبّاس، وكلّ عبابسة "فتح" إنّ ما سبق شعارات وأوهام ومحض خيال، لكن هؤلاء يتناسون أنّ هذه الشعارات كانت ولا تزال مبرّر وجودهم جاثمين على صدر القضية الفلسطينية، ليس بوصفهم مناضلين من أجل التحرير، بل باعتبارهم أعضاء وقيادات واحدٍ من أردأ الأحزاب الحاكمة في العالم العربي، تحت حماية ورعاية من الأعداء الذين تأسّست الحركة ضدّهم أصلًا. سيقولون أيضًا إنّه منذ انزلقت مصر الكبيرة إلى طريق كامب ديفيد في سبعينيات القرن الماضي صار مُحتّمًا على الفلسطينيين السير في الطريق نفسه، وصولًا إلى "أوسلو" التي منحت الكيان الصهيوني كلّ شيء، وألقت لقيادات مشروع التحرّر الوطني سلطة تتغذّى على التنسيق الأمني مع الاحتلال في تعقّب المقاومة ومحاولة اجتثاثها من جذورها.

 

نعم هو اتفاق خياني، كما حاول عبّاس أن يتندّر ويتمسخر على من لا يزالون يبذلون الدماء ويدفعون بالأبناء إلى مقدّمة صفّ الشهداء، في وقتٍ يقدّم فيه ابنه للمواقع القيادية في سلطته ذات الرعاية الإسرائيلية، خياني بموجب أدبيات الحركة التي جعلته رئيسًا لهذه السلطة، حتى بعد توقيع أوسلو عام 1993، وانتقال الحركة ممّا أسمته "الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية"، ظلّ التمسّك بالثوابت الثلاثة، الدولة والقدس وحق العودة، هي محدّدات عملها.

 

على أنّ السؤال المرير يبقى: كم محمود عبّاس آخر  ينتظر اليوم الذي يترنّم فيه مديحًا للخيانات، ساخرًا من المقاومات، بعد أن ينعم بدفء السلام الأميركي؟!.