طالبت النائبة أسماء سعد الجمال عضو مجلس النواب في 20 مايو 2026 وزير الصحة ورئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي بإنقاذ خدمات التأمين الصحي في مركز الصف بمحافظة الجيزة، بعد شكاوى من غياب مقر متكامل وإدارة متخصصة تخدم أكثر من نصف مليون مواطن داخل 20 قرية.
وتكشف الأزمة وجها قاسيا من إخفاق الحكومة في توزيع الخدمة الصحية بعدالة، لأن المرضى وكبار السن والأطفال وذوي الهمم يدفعون ثمن المركزية الإدارية مرتين، مرة من صحتهم أثناء السفر إلى الهرم، ومرة من أموالهم في مواصلات وإجراءات كان يجب أن تصل إليهم داخل مركزهم.
رحلة علاج إلى الهرم بدل مركز يخدم نصف مليون مواطن
يعيش أهالي مركز الصف أزمة متكررة مع التأمين الصحي، إذ يضطر المرضى إلى قطع مسافات طويلة باتجاه مقر التأمين الصحي في منطقة الهرم لإنهاء إجراءات إدارية أو صرف علاج شهري أو متابعة فحوصات، رغم أن المركز يضم كتلة سكانية كبيرة وقرى ممتدة.
وبحسب البيانات التنموية المنشورة عن المركز، يتجاوز عدد سكان الصف نصف مليون نسمة، ويتكون من 20 قرية رئيسية تتبع 5 وحدات محلية قروية، بينها الشوبك الشرقي والفهميين وغمازة الكبرى والديسمي وأسكر والودي والإخصاص، وهي قرى ذات كثافة سكانية وارتباط زراعي وصناعي واضح.
لذلك لا تبدو رحلة الهرم إجراء عاديا داخل محافظة واحدة، لأن المريض المزمن يحتاج خدمة قريبة ومنتظمة، لا انتقالا أسبوعيا أو شهريا يستهلك اليوم كله، ويضيف تكلفة مواصلات ورفيق ومجهود بدني إلى مرض يحتاج أصلا إلى تخفيف الأعباء لا زيادتها.
وفي هذا المحور يوضح الدكتور محمد حسن خليل، مؤسس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن التأمين الصحي يقوم في جوهره على الدفع المسبق والحماية من النفقات الكبيرة عند المرض، وهو مبدأ تسقطه عمليا أي منظومة تجبر المريض على دفع تكلفة طريق ومشقة للحصول على حقه.
كما تكشف الشكاوى أن غياب مقر متكامل للتأمين الصحي داخل الصف لا يحرم المواطنين من الكشف فقط، بل يعطل إجراءات العلاج والفحوصات وصرف الجرعات الشهرية، وهي خدمات إدارية وطبية كان يجب أن تقدم داخل المركز بحكم عدد السكان واتساع نطاقه الجغرافي.
عيادات بلا تخصصات كافية ونقص أطباء يضرب الخدمة
تواجه عيادات التأمين الصحي في الصف عجزا واضحا في الكوادر الطبية والاستشاريين داخل تخصصات متعددة، وهو عجز يحول العيادة من بوابة علاج إلى محطة إحالة وانتظار، ويجعل المواطن بين خيارين قاسيين، إما السفر إلى الهرم أو اللجوء إلى الخاص على حساب ميزانية الأسرة.
وتزيد الأزمة خطورة عندما يتعلق الأمر بأصحاب الأمراض المزمنة، لأن تأخير جرعات العلاج أو تعطل إجراءات الفحص لا يساوي تأجيل خدمة عادية، بل يفتح الباب أمام مضاعفات صحية قد تدفع المريض إلى المستشفى، وتكلفه أكثر مما كانت ستكلفه خدمة قريبة ومنتظمة.
كما يضرب النقص كبار السن وذوي الهمم بصورة مضاعفة، لأن هؤلاء يحتاجون مسارا مختصرا ولجانا طبية داخل نطاق سكنهم، لا إجراءات متناثرة بين الصف والهرم، ولا طوابير ومواصلات طويلة تزيد الألم وتحوّل الخدمة العامة إلى اختبار يومي للقدرة الجسدية والمالية.
وفي هذا السياق يدعم رأي الدكتور إيهاب الطاهر عضو مجلس نقابة الأطباء السابق جوهر الأزمة، إذ حذر سابقا من أن أعداد أطباء الأسرة لا تكفي مشروع التأمين الصحي، وأن هجرة الأطباء وضعف الحوافز يتركان المنظومة بلا قاعدة بشرية قادرة على تغطية المحافظات والمراكز.
وبناء على ذلك يصبح مطلب إنشاء عيادة أو مركز شامل للتأمين الصحي داخل الصف مطلبا ضروريا لا مطلبا خدميا إضافيا، لأن المركز الشامل يجب أن يضم التخصصات الأساسية وصرف العلاج والفحوصات واللجان الطبية، بما ينهي رحلة الإحالة المتكررة إلى الهرم.
رقمنة مؤجلة ومسؤولية حكومية أمام البرلمان
طالبت النائبة أسماء سعد الجمال بربط خدمات التأمين الصحي في الصف بالمنظومة الرقمية الحديثة، لأن غياب الربط الإلكتروني يطيل زمن الخدمة ويزيد التكدس ويجعل المواطن أسيرا لورقة وختم ومشاوير إدارية، بينما ترفع الحكومة شعار التحول الرقمي في قطاعات أقل حساسية من العلاج.
وفي المقابل يكشف الدليل المنشور لفرع الجيزة وجود عيادة الصف الشاملة ووحدة الصف ضمن منظومة التأمين الصحي، لكن طلب الإحاطة يتحدث عن غياب مقر متكامل وإدارة متخصصة، وهذا التناقض يكشف فجوة بين وجود اسم في دليل رسمي وبين خدمة قادرة على تلبية الاحتياج الفعلي.
وتكتسب مطالبة النائبة بإحالة طلب الإحاطة إلى لجنة الشؤون الصحية في مجلس النواب أهمية مباشرة، لأنها تنقل الأزمة من شكوى محلية إلى مساءلة سياسية لوزارة الصحة والهيئة العامة للتأمين الصحي، وتلزم المسؤولين بالرد على سبب ترك مركز بهذا الحجم بلا خدمة مكتملة.
ويربط الدكتور علاء غنام، خبير سياسات الإصلاح الصحي ومدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية سابقا، نجاح النظام الصحي بتحسين المؤشرات الصحية وخفض العبء المالي وزيادة رضا متلقي الخدمة، وهي معايير تكشف أن أزمة الصف ليست نقص مبنى فقط بل فشل إتاحة.
وتشير المادة 18 من الدستور المصري إلى حق كل مواطن في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة وفق معايير الجودة، كما تلزم الدولة برفع كفاءة المرافق الصحية وانتشارها الجغرافي العادل، ولذلك تبدو أزمة الصف اختبارا مباشرا لهذا الالتزام في مركز واسع تابع لمحافظة كبرى.
ثم يأتي قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018 ليؤكد أن النظام يقوم على التكافل الاجتماعي وتغطية المواطنين، لكن بقاء مناطق كبيرة خارج خدمة ميسرة يفرغ النص من مضمونه، لأن التغطية لا تعني اشتراكا فقط، بل تعني وصولا فعليا إلى العلاج.
ومن هنا يجب على وزارة الصحة والهيئة العامة للتأمين الصحي إعلان جدول زمني واضح لإنشاء مركز شامل في الصف، وتوفير أطباء واستشاريين، وتخصيص لجان للعجز وذوي الهمم، وربط الملفات والخدمات إلكترونيا، ومراجعة شكاوى المرضى بآلية معلنة لا تنتظر ضغط البرلمان.
وفي النهاية لا تستطيع الحكومة أن تتحدث عن تطوير التأمين الصحي بينما يقطع مريض من الصف عشرات الكيلومترات لصرف علاج أو ختم إجراء، لأن الحق في الصحة لا يقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بقدرة المريض الفقير على الوصول إلى طبيب ودواء داخل مدينته.

