عادت أجواء التوتر إلى جزيرة الوراق من جديد، بعدما اندلعت اشتباكات بين عدد من الأهالي وقوات الأمن المتمركزة داخل الجزيرة، على خلفية منع أحد السكان من إدخال كمية من الأسمنت إلى الجزيرة، في واقعة أعادت إلى الواجهة ملف الصراع المستمر منذ سنوات بين الأهالي والسلطات بشأن خطط نزع الملكية وإعادة تطوير المنطقة.

 

وبحسب روايات سكان ومحامين من أبناء الجزيرة، بدأت الأحداث عند معدية النيل بمنطقة الوراق، بعدما أوقفت قوات الأمن المواطن محمد سعد أثناء محاولته العبور بسيارته الملاكي إلى داخل الجزيرة، بسبب حمله “5 شكاير أسمنت”، قبل أن تتطور الواقعة إلى مشادة كلامية انتهت – وفق شهود – بالاعتداء عليه والتحفظ على سيارته.

 

غضب شعبي وتصاعد سريع للأحداث

 

الواقعة أثارت حالة من الغضب بين أقارب المواطن وعدد من سكان الجزيرة، الذين تجمعوا في محيط المعدية احتجاجًا على ما وصفوه بـ”التضييق المستمر” على الأهالي ومنع دخول مواد البناء إلى الجزيرة.

 

ومع تصاعد التوتر، تحولت المشادات إلى اشتباكات بين الأهالي والقوات الموجودة بالمكان، قبل أن تتوسع لاحقًا داخل الجزيرة، خاصة بعد استمرار التحفظ على السيارة الملاكي الخاصة بمحمد سعد.

 

ووثقت مقاطع فيديو بثها المواطن نفسه عبر حسابه على “فيسبوك” حالة من الكر والفر بين شباب الجزيرة وقوات الأمن في محيط الكمين أسفل محور روض الفرج، حيث ظهرت تجمعات لعشرات الشبان وسط حالة من الصراخ والتوتر، فيما تبادل الطرفان رشق الحجارة، مع استخدام ألعاب نارية من جانب بعض الأهالي.

 

وقال المحامي ماجد مبروك، أحد سكان الجزيرة، إن مجموعة من الشباب – يتراوح عددهم بين 10 و15 شخصًا – تدخلوا لمنع القبض على محمد سعد، وتمكنوا من إخراجه من موقع الاشتباكات قبل انسحابهم لاحقًا.

 

وأكد مبروك أن الأحداث لم تسفر عن حالات قبض أو إصابات بين الأهالي، لكنه شدد على أن محمد سعد تعرض للاعتداء خلال الواقعة.

 

قصة إصابة قديمة تعود للواجهة

 

وأعادت الواقعة الحديث عن إصابة سابقة تعرض لها محمد سعد خلال مواجهات شهدتها الجزيرة في وقت سابق، أثناء تنفيذ أعمال قياس مرتبطة بخطط نزع الملكية، حيث أصيب – بحسب رواية الأهالي – برش خرطوش في إحدى عينيه، وخضع لاحقًا لعدة عمليات جراحية تكفل سكان الجزيرة بنفقاتها.

 

وخلال مقاطع الفيديو التي بثها أثناء الاشتباكات، تحدث سعد عن تدهور أوضاعه المعيشية بعد إصابته، مؤكدًا أنه فشل في استكمال عمله السابق كمقاول بناء، ثم حاول العمل كسائق عبر تطبيق “أوبر”، لكنه لم يتمكن من الاستمرار بعدما تسبب ضعف الرؤية الناتج عن إصابته في وقوع حادث صدم خلال القيادة.

 

وقال سعد إن إصابته أفقدته مصدر رزقه، مضيفًا أنه اضطر لاحقًا للعمل في تجارة مواد البناء، قبل أن يواجه – على حد قوله – تضييقًا جديدًا بمنعه من إدخال الأسمنت إلى الجزيرة.

 

منع مواد البناء يشعل الأزمة

 

وتعد أزمة منع دخول مواد البناء إلى جزيرة الوراق واحدة من أكثر الملفات إثارة للغضب داخل الجزيرة خلال الشهور الأخيرة، إذ يؤكد الأهالي أن قوات الأمن المتمركزة على المداخل تفرض قيودًا يومية على إدخال الأسمنت والحديد ومستلزمات البناء، إلى جانب بعض الأجهزة المنزلية.

 

ويقول السكان إن هذه الإجراءات تهدف إلى الضغط عليهم للقبول بالتعويضات الحكومية والتخلي عن منازلهم وأراضيهم لصالح مشروعات التطوير الجديدة، بينما يعتبرها الأهالي “حصارًا فعليًا” يضيق على حياتهم اليومية.

 

سنوات من التوتر والصدام

 

وتأتي هذه التطورات ضمن سلسلة من المواجهات المتكررة التي شهدتها جزيرة الوراق خلال السنوات الماضية، على خلفية النزاع القائم بين عدد من السكان والسلطات بشأن قرارات الإزالة ونزع الملكية ضمن مشروع إعادة تطوير الجزيرة لصالح الإمارات.

 

وسبق أن شهدت الجزيرة أكثر من واقعة اشتباك بسبب منع دخول مواد البناء أو تنفيذ قرارات إزالة، كان آخرها في أبريل الماضي، عندما اندلعت مواجهات عقب احتجاز عدد من الأهالي والتضييق على المعدية، وأسفرت حينها عن توقيف اثنين من السكان قبل الإفراج عنهما لاحقًا.

 

وترجع جذور الأزمة إلى عام 2018، عندما أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 20 لسنة 2018 بإنشاء مجتمع عمراني جديد على أراضي جزيرة الوراق، تبعته قرارات متتالية لنزع ملكية مساحات واسعة من الأراضي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

 

وشملت الخطط تنفيذ مشروع ضخم يتضمن إنشاء 68 برجًا سكنيًا ضمن ما يعرف بـ”مدينة الوراق الجديدة”، على مساحة تتجاوز 61 ألف فدان.