عبدالله بندر العتيبي
أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر
لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين شأنا بعيدا عن الخليج، ولا مجرد تنافس بين قوتين عظميين على النفوذ العالمي. بالنسبة لدول الخليج، أصبح هذا التنافس جزءا مباشرا من حسابات الأمن، والطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، والاستقرار الإقليمي.
فالخليج يقف اليوم في قلب شبكة دولية معقدة: أمنه لا يزال مرتبطا بدرجة كبيرة بالتعاون العسكري الأمريكي، واقتصاده بات أكثر ارتباطا بالطلب الآسيوي، وفي مقدمته الصين، بينما تمر عبر مياهه وموانئه ومساراته التجارية مصالح العالم بأكمله.
من هنا، فإن السؤال الخليجي لم يعد: هل نختار واشنطن أم بكين؟ بل كيف نحافظ على علاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة، دون أن نخسر الفرص الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين؟ وكيف نستفيد من صعود آسيا دون أن نُقرأ في واشنطن بوصفنا جزءا من معسكر مضاد؟ هذه هي المعضلة الخليجية الكبرى في المرحلة المقبلة.
التنافس الأمريكي-الصيني لا يشبه الحرب الباردة القديمة. في الماضي، كان العالم منقسما بصورة أكثر وضوحا بين معسكرين أيديولوجيين. أما اليوم، فالمعادلة أكثر تعقيدا. الولايات المتحدة والصين تتنافسان بشدة، لكنهما في الوقت ذاته مرتبطتان اقتصاديا وماليا وتجاريا.
واشنطن تريد منع الصين من السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد الحيوية، لكنها لا تستطيع الانفصال الكامل عن الاقتصاد الصيني.
وبكين تريد تقليص الهيمنة الأمريكية وتوسيع مجال نفوذها، لكنها لا تزال بحاجة إلى الاستقرار العالمي، والأسواق، والطاقة، والتجارة المفتوحة.
بالنسبة للخليج، هذا يعني أن العالم لا يتجه إلى قطيعة كاملة بين القوتين، بل إلى إدارة طويلة للتوتر. وهذا النوع من التنافس يخلق مخاطر وفرصا في الوقت ذاته.
الخطر أن تتحول المنطقة إلى ساحة ضغط بين واشنطن وبكين، خصوصا في ملفات التكنولوجيا، الموانئ، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، وسلاسل الإمداد.
أما الفرصة، فهي أن دول الخليج تستطيع، إذا أحسنت إدارة موقعها، أن تتحول من مجرد منطقة متأثرة بالتنافس الدولي إلى طرف قادر على توظيف هذا التنافس لتعزيز استقلاليته الإستراتيجية.
تاريخيا، اعتمد الخليج على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الأهم.
الوجود العسكري، منظومات الدفاع، أمن الملاحة، والردع تجاه إيران كلها عناصر جعلت العلاقة مع واشنطن مركزية في التصور الأمني الخليجي. لكن هذه العلاقة لم تعد وحدها كافية لفهم المشهد.
فالصين أصبحت الشريك التجاري الأهم للعديد من دول المنطقة، والمستهلك الرئيسي للطاقة الخليجية، ولاعبا مهما في البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمارات.
لذلك، لا تستطيع دول الخليج أن تنظر إلى الصين كقوة بعيدة أو هامشية، بل كجزء من مستقبلها الاقتصادي.
وهنا تظهر طبيعة السياسة الخليجية الجديدة: أمنيا، لا تزال واشنطن حاضرة بقوة؛ اقتصاديا، يتعمق الاتجاه شرقا؛ ودبلوماسيا، تحاول دول الخليج توسيع هامش المناورة بين القوى الكبرى.
هذه ليست سياسة تردد أو غموض، بل هي تعبير عن إدراك واقعي لطبيعة النظام الدولي الجديد. فالدول التي تنجو في عالم متعدد الضغوط ليست بالضرورة تلك التي تختار طرفا واحدا، بل تلك التي تنجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات دون أن تفقد استقلالية قرارها.
غير أن هذا التوازن ليس سهلا. فالولايات المتحدة ستستمر في الضغط على حلفائها للحد من الانخراط مع الصين في الملفات الحساسة، خصوصا شبكات الاتصالات، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، الموانئ، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
ومن منظور واشنطن، لا يمكن فصل التكنولوجيا عن الأمن القومي. أما من منظور الخليج، فإن التنمية الاقتصادية والتحول الرقمي وتنويع مصادر النمو لا يمكن أن تنتظر مزاج التنافس الدولي.
هنا ستظهر الحاجة إلى سياسة خليجية أكثر دقة: الانفتاح على الصين اقتصاديا وتكنولوجيا، مع بناء ضوابط أمنية واضحة تمنع تحويل هذا الانفتاح إلى مصدر توتر إستراتيجي مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، لا تسعى الصين إلى استبدال الولايات المتحدة عسكريا في الخليج. بكين لا تريد أن تتحمل كلفة الأمن الإقليمي بالطريقة التي تحملتها واشنطن لعقود.
لكنها تريد بيئة مستقرة تسمح بتدفق الطاقة والتجارة، وتريد حضورا اقتصاديا طويل الأمد، وتريد أن تظهر كقوة عالمية قادرة على التواصل مع الجميع دون شروط سياسية ثقيلة.
وهذا ما يجعل الصين جذابة لبعض دول المنطقة: فهي لا تقدم نفسها كقوة أمنية بديلة، بل كشريك اقتصادي وتنموي. لكن الاعتماد الاقتصادي المفرط على الصين قد يحمل بدوره مخاطر، لأن النفوذ الاقتصادي يمكن أن يتحول مع الوقت إلى نفوذ سياسي للحفاظ على المصالح الاقتصادية.
في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط، والخليج تحديدا، أكثر من مجرد منطقة مليئة بالطاقة. إنه عقدة جيوسياسية تربط الطاقة بالتجارة، والموانئ بسلاسل الإمداد، والأمن البحري بالاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز، البحر الأحمر، باب المندب، والممرات البحرية المحيطة بالخليج لم تعد تفاصيل إقليمية، بل شرايين للنظام الاقتصادي الدولي. لذلك، فإن أي اضطراب في الملاحة أو الطاقة لا يضر الخليج فقط، بل ينعكس على الصين، أوروبا، الولايات المتحدة، والهند، وعلى الاقتصاد العالمي كله.
من وجهة نظر خليجية، هذا يمنح المنطقة ورقة قوة مهمة. فدول الخليج ليست مجرد مستهلكة للأمن أو مستقبلة للضغوط الخارجية، بل تملك أدوات تأثير حقيقية: الطاقة، الموانئ، الصناديق السيادية، الوساطة، القدرة على الحوار مع أطراف متناقضة، والموقع الجغرافي الحيوي.
لكن تحويل هذه الأدوات إلى نفوذ إستراتيجي يتطلب تنسيقا خليجيا أكبر. فكل دولة خليجية تستطيع أن تبني علاقاتها الثنائية مع واشنطن أو بكين، لكن الصوت الجماعي للخليج سيكون أكثر تأثيرا إذا تحرك ضمن رؤية مشتركة حول أمن الطاقة، حرية الملاحة، التكنولوجيا، والاستقرار الإقليمي.
الأزمة الإيرانية تبرز أهمية هذا المنظور. فالصين تملك نفوذا اقتصاديا مهما على إيران، والولايات المتحدة تملك أدوات ضغط عسكرية ومالية هائلة، بينما تقع دول الخليج جغرافيا في قلب أي تصعيد محتمل. لذلك، لا يكفي أن تكون المنطقة موضوعا للتفاوض بين القوى الكبرى؛ يجب أن تكون طرفا في صياغة أي تفاهمات إقليمية.
فمن غير المقبول خليجيا أن تُدار ملفات أمن الخليج، أو الملاحة، أو الطاقة، أو التصعيد مع إيران من فوق رؤوس دول المنطقة. الاستقرار لا يمكن أن يُفرض من الخارج فقط، بل يجب أن يُبنى بمشاركة الدول الأكثر تأثرا بنتائجه.
وهنا يمكن للخليج أن يطرح سرديته الخاصة: نحن لسنا ضد الولايات المتحدة، ولسنا جزءا من مشروع صيني مضاد، ولسنا ساحة مفتوحة لصراع الآخرين.
نحن منطقة تريد الاستقرار، وحرية الملاحة، واستمرار تدفق الطاقة، وحماية التنمية، ورفض تحويل الإقليم إلى ميدان مواجهة دائمة. هذه السردية مهمة لأنها تنقل الخليج من موقع رد الفعل إلى موقع الفاعل الذي يمتلك تصورا لمصلحته وللنظام الإقليمي الذي يريده.
في النهاية، التنافس الأمريكي-الصيني سيستمر، وربما يزداد حدة في السنوات المقبلة. لكن الخليج لا يملك ترف الانتظار ولا ترف الاختيار الصفري. المطلوب هو بناء سياسة متعددة المسارات: الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن، تعميق المصالح الاقتصادية مع بكين، تطوير القدرات الدفاعية الذاتية، تعزيز التنسيق الخليجي، وحماية الممرات البحرية بوصفها مصلحة إقليمية ودولية في آن واحد ضمن جهود إقليمية مشتركة.
القوة الخليجية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم الثروة أو الطاقة، بل بقدرة دول الخليج على إدارة التوازنات الكبرى دون الارتهان الكامل لها.
ففي عالم لا يُحسم بين واشنطن وبكين، ستكون الدول الأكثر نجاحا هي تلك التي تعرف كيف تُدير مصالحها بين القوتين، لا تلك التي تنتظر من القوى الكبرى أن تحدد لها موقعها في النظام الدولي.

