أقر مجلس الوزراء المصري، في 29 أبريل 2026، مشروع قانون الأسرة الجديد تمهيدا لإحالته إلى البرلمان، ويضم المشروع 355 مادة تنظم الزواج والطلاق والحضانة والرؤية والاستزارة وإجراءات التقاضي، وسط جدل متصاعد حول مواد رآها معارضون تهديدا مباشرا لبنية الأسرة المصرية.

 

ويأتي الجدل في لحظة تعاني فيها الأسرة المصرية من ضغط اقتصادي واجتماعي واسع، لأن الحكومة تعيد صياغة قانون يمس الزواج والطلاق والأطفال من أعلى، بينما يطالب معارضون بنشر المواد كاملة وحوار مجتمعي علني قبل تمرير نصوص قد تغير شكل العلاقات داخل البيوت والمحاكم.

 

قانون واسع بلا شفافية كافية

 

بدأ الجدل بعد تداول مواد من مشروع قانون الأسرة الجديد، بينها مواد تتعلق بالخطبة والزواج وفسخ العقد خلال 6 أشهر في حالات الغش، وتوثيق الطلاق خلال 15 يوما، وتنظيم الخلع والرؤية والاستزارة، إضافة إلى ترتيب الحضانة وتقديم الأب بعد الأم مباشرة.

 

وفي حلقة برنامج إيه الحكاية على قناة الشرق، طرحت الإعلامية دعاء حسن سؤالا سياسيا مباشرا عن سبب فتح ملف الأحوال الشخصية بهذه السرعة، ورأت أن بعض البنود المتداولة تبدو كأنها تعيد هندسة الأسرة بدل معالجة مشكلاتها اليومية في النفقة والرؤية والتقاضي.

 

كما قال المحامي بالنقض منتصر الزيات إن المشروع يحمل فلسفة قانونية مستوردة، وربط بعض مواده باتفاقيات دولية مثل سيداو، معتبرا أن الحكومة تقترب من منطقة حساسة تمس الشريعة وطبيعة المجتمع من دون إعلان كاف للجهات التي صاغت المشروع.

 

ومن هنا، يخدم موقف الزيات محور الشفافية القانونية، لأنه لا يكتفي بمناقشة مادة واحدة، بل يطعن في فلسفة المشروع ومسار إعداده، ويطالب بدور أوضح للأزهر والمؤسسات المختصة قبل أن يتحول القانون إلى أمر واقع داخل البرلمان والمحاكم.

 

لذلك، تصبح المشكلة الأولى في القانون سياسية قبل أن تكون فقهية، لأن الحكومة وافقت على مشروع شديد الحساسية ثم تركت المجتمع يتعامل مع تسريبات ومقتطفات، بينما كان واجبا نشر الصيغة الكاملة وفتح نقاش معلن مع القضاة والفقهاء والأطباء وخبراء الأسرة.

 

الزواج والطلاق بين القضاء والواقع الاجتماعي

 

تثير مواد الزواج والطلاق أكبر قدر من القلق، خاصة ما تردد عن أهلية مباشرة عقد الزواج، وحق الزوجة في طلب فسخ العقد خلال مدة محددة إذا تعرضت للغش، وتقييد الطلاق أو الخلع في السنوات الأولى للزواج بإجراءات قضائية تهدف إلى الصلح.

 

وبحسب المشروع المنشور في تقارير محلية، تلزم مادة الطلاق المطلق بتوثيق الطلاق خلال 15 يوما، كما تربط آثار الطلاق في الحقوق الزوجية والميراث بالتوثيق الرسمي، وهي صياغة تقول الحكومة إنها تهدف إلى ضبط النزاعات وحماية الحقوق بعد الانفصال.

 

لكن منتصر الزيات حذر من نقل ملف الطلاق بالكامل إلى يد القضاء، وقال إن هذا المسار قد يفتح صراعات ممتدة داخل المحاكم، لأن الأزمة لا تبدأ من ورقة الطلاق فقط، بل من علاقة متوترة قد تتحول إلى خصومة طويلة إذا زادت القيود والإجراءات.

 

وفي المقابل، ركز الداعية الأزهري عصام تليمة على أن مشاكل الطلاق لا تعالج بالقانون وحده، لأن نسبا كبيرة من الأزمات ترتبط بالغلاء وتكاليف الزواج والسكن وضغط المعيشة، وهي عوامل لا تختفي بمجرد تعديل مواد الفسخ أو الرؤية أو الحضانة.

 

 

وبذلك، يخدم رأي تليمة محور الأسباب الاجتماعية للأزمة، لأنه يضع الحكومة أمام مسؤوليتها الاقتصادية، فالشباب لا يحتاجون فقط إلى نص جديد في قانون الأسرة، بل يحتاجون إلى عمل وسكن وتدريب قبل الزواج وآلية دعم تمنع تحول الخلافات الصغيرة إلى انهيار كامل.

 

الحضانة والرؤية وحق الطفل في مواجهة نصوص مرتبكة

 

تأتي مواد الحضانة والرؤية ضمن أكثر الملفات حساسية، إذ يقدم المشروع الأب بعد الأم في ترتيب الحضانة، وينظم الرؤية المباشرة والإلكترونية والاستزارة والمبيت، وهي تعديلات تقول الحكومة إنها تراعي مصلحة الطفل، لكنها أثارت خوفا من صدامات عائلية أوسع.

 

وفي هذا السياق، طالب الخبير في العلاقات الأسرية أشرف مصطفى بإعلان النصوص كاملة للرأي العام، وإجراء حوار مجتمعي واسع تشارك فيه المؤسسات الدينية والقانونية والاجتماعية، لأن أي مادة تمس الطفل والحضانة لا يجوز تمريرها كملف فني داخل لجان مغلقة.

 

كما حذر مصطفى من استيراد نماذج قانونية لا تتناسب مع المجتمع المصري، موضحا أن الأسرة الممتدة ما زالت جزءا أساسيا من بنية الحياة الاجتماعية، وأن أي قانون يتجاهل دور الأجداد والأقارب وطبيعة العلاقات المحلية قد ينتج نزاعات أكثر مما يحل.

 

في الوقت نفسه، أقر عصام تليمة بأن بعض المواد تعرضت لسوء فهم، مثل المادة المرتبطة بعدم اعتبار فقدان غشاء البكارة سببا تلقائيا لفسخ الزواج، ورأى أن الهدف منها قد يكون منع جرائم شرف قائمة على جهل طبي، لكنه انتقد ضعف الصياغة.

 

ومن ثم، لا تملك الحكومة رفاهية تمرير مشروع بهذا الحجم عبر خطاب رسمي عن حماية الطفل فقط، لأن النصوص التي تمس الحضانة والرؤية والطلاق تحتاج لغة دقيقة وضمانات تنفيذية ومحاكم مؤهلة، وإلا تحولت إلى وقود جديد في نزاعات الأسر.

 

وفي النهاية، يكشف مشروع قانون الأسرة الجديد أن الدولة تعالج ملفات النفقة والرؤية والطلاق بأداة تشريعية واسعة، لكنها تتجاهل أن الأزمة أعمق من نصوص القانون، فإذا غابت الشفافية والحوار وجرى تمرير 355 مادة بسرعة، فإن البيت المصري سيدفع الثمن داخل المحاكم وخارجها.