كشفت الهيئة العامة للرقابة المالية في القاهرة وصول التمويلات الممنوحة من أنشطة التمويل غير المصرفي إلى نحو 1.4 تريليون جنيه بنهاية 2025، بما يعادل 54% من إجمالي التمويلات الموجهة للقطاع الخاص والعائلي والأفراد، وسط جدل أثاره الإعلام المرئي أخيرًا حول اتساع دائرة قروض التقسيط.

 

وتكشف هذه الأرقام وجها اجتماعيا أكثر قسوة من خطاب الحكومة عن الشمول المالي، لأن ملايين المواطنين لا يلجأون إلى التمويل الاستهلاكي بسبب وفرة الاختيار، بل بسبب تآكل الدخل وارتفاع تكلفة المعيشة وتحول شراء الأجهزة وتجهيز الزواج وبعض الأدوية إلى عبء مؤجل على دفعات شهرية.

 

سوق ضخم خارج البنوك ورقابة لا تواكب الاتساع

 

في البداية، أظهرت بيانات الرقابة المالية أن محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي بلغت نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، بينما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، وامتدت قاعدة العملاء إلى أكثر من 64 مليون عميل، في مؤشر يعكس تمدد القطاع داخل الحياة اليومية للمصريين.

 

وعلى هذا الأساس، لم يعد النقاش محصورا في شركات تقدم خدمة مالية مكملة للبنوك، لأن حجم التمويلات تجاوز نصف تمويلات السوق الموجهة للأفراد والقطاع العائلي والخاص، وهو ما يجعل القطاع جزءا من بنية الاقتصاد لا هامشا تنظيميا يمكن التعامل معه ببيانات طمأنة.

 

في السياق نفسه، قال عمرو أديب في برنامجه الحكاية إن حجم القروض خارج الجهاز المصرفي تجاوز تريليون جنيه، وإن شركات التمويل غير المصرفي أصبحت تمول أجهزة منزلية وتجهيزات زواج وأدوية، وهو تصريح نقل الأزمة من لغة الأرقام إلى تفاصيل بيوت تبحث عن سيولة عاجلة.

 

وبعد ذلك، أوضح محمد فؤاد أن مصر تضم 36 بنكا تحت رقابة البنك المركزي، مقابل أكثر من 2500 شركة وجهة مالية غير مصرفية تحت إشراف الرقابة المالية، ورأى أن هذا الاتساع يطرح سؤالا مباشرا عن قدرة الدولة على تطبيق حوكمة متماسكة على هذا العدد الكبير.

 

لذلك، تبدو الحكومة أمام تناقض واضح بين الاحتفاء بنمو التمويل غير المصرفي وبين تجاهل السبب الذي يدفع المواطنين إلى الاقتراض، لأن المواطن لا يذهب إلى التقسيط طويل الأجل لشراء رفاهية فقط، بل يلجأ إليه حين تفشل الأجور في ملاحقة الأسعار.

 

ومن هنا، يخدم رأي محمد فؤاد محور الرقابة وعدد الشركات، لأنه لا يهاجم فكرة التمويل نفسها، بل يضع الحكومة أمام مسؤولية ضبط سوق ضخم توسع بسرعة بينما تراجع الادخار، وتزايدت احتمالات تحويل الالتزامات الشهرية إلى ضغط ثابت على الأسر.

 

تراجع الادخار يحول التقسيط إلى بديل للدخل

 

في المقابل، أشار فؤاد إلى تقرير لمعهد التخطيط القومي يكشف انخفاض معدل الادخار في مصر من نحو 15% إلى 1% خلال 10 سنوات، وهو تراجع لا يمكن فصله عن سياسات اقتصادية رفعت الأسعار وتركت الأسر أمام الاقتراض كحل يومي لإدارة الاحتياجات.

 

ومع ذلك، لا تعكس نسبة التعثر الرسمية التي تقل عن 3% الصورة الكاملة للمخاطر، لأن انخفاض التعثر في لحظة معينة لا يعني سلامة المسار إذا ظل المواطن يسدد قسطا بقسط جديد، أو يبيع سلعة ممولة بخسارة للحصول على سيولة فورية.

 

في هذا الإطار، حذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من خطورة وصول عدد شركات التمويل غير المصرفي إلى 2500 شركة، وربط هذا الاتساع بسيناريوهات ركود وتعثر سابقة، كما دعا البنك المركزي والرقابة المالية إلى وضع اشتراطات تحد من التوسع غير المنضبط.

 

وبذلك، يخدم رأي وائل النحاس محور المخاطر الاجتماعية والمالية، لأنه يربط التمويل الاستهلاكي بسلوك اضطراري داخل السوق، حيث يشتري بعض المواطنين سلعا بالتقسيط ثم يبيعونها بسعر أقل، فتتحول السلعة إلى قرض نقدي مكلف خارج الصورة الرسمية للعقد.

 

إلى جانب ذلك، تظهر مسؤولية الحكومة في غياب معالجة جذور الأزمة، لأن الإقراض الاستهلاكي لا يصنع القدرة الشرائية من العدم، بل يؤجل الألم المالي إلى أشهر لاحقة، وعندما تتراكم الأقساط مع فواتير الغذاء والسكن والتعليم تصبح الأسرة أمام دائرة ضغط مستمرة.

 

وبصورة أوضح، لا يكفي أن تعلن الرقابة المالية أن الشركات تلتزم بالاستعلام الائتماني وتحليل قدرة العملاء على السداد، لأن السؤال الأهم يتعلق بقدرة المواطن أصلا على العيش من دخله قبل أن تقدم له السوق تمويلا جديدا مشروطا بفائدة وأعباء إضافية.

 

قرار المركزي يفضح صراعا تنظيميا وكلفة يدفعها المواطن

 

في الوقت نفسه، أعاد قرار سابق للبنك المركزي بوقف تمويل بعض أنشطة شركات التمويل الاستهلاكي فتح السؤال حول حدود الخلاف التنظيمي بين المركزي والرقابة المالية، لأن المواطن لا يعنيه تنازع الاختصاصات بقدر ما يعنيه أن القسط قد يلتهم دخله الشهري.

 

وعلى الجانب الآخر، دافعت الهيئة العامة للرقابة المالية عن القطاع بالأرقام، وقالت إن التعثر أقل من 3% وإن الشركات تخضع لمعايير كفاية رأس المال والسيولة والرافعة المالية، لكن هذا الدفاع لا يرد على سؤال سياسي مباشر عن سبب توسع الاقتراض الاستهلاكي بهذا الحجم.

 

ثم جاء تعليق هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، ليمنح الجدل ثقلا مصرفيا، إذ حذر من توسع الأفراد في الاقتراض من الشركات المالية غير المصرفية، واعتبرها قطاعا مصرفيا موازيا، كما ربط التكلفة المرتفعة بخطر مباشر على الدورة الاقتصادية.

 

ولهذا، يخدم رأي هشام عز العرب محور علاقة التمويل غير المصرفي بالاقتصاد الكلي، لأنه لا يتحدث من موقع رفض نظري للتقسيط، بل من موقع مصرفي يرى أن سوقا موازية واسعة ومكلفة قد تنقل الخطر من دخل الأسرة إلى حركة البيع والسداد والإنتاج.

 

بناء على ذلك، تبدو الأزمة أكبر من خلاف بين مؤسسات رقابية، لأن الحكومة تركت المواطن بين بنك لا يمنحه تمويلا بسهولة وشركة تقسيط تمنحه التمويل بتكلفة عالية، ثم قدمت نمو السوق كإنجاز رقمي بينما دفع المواطن الثمن من دخله المستقبلي.

 

وفي النهاية، تكشف قضية التمويل غير المصرفي أن المشكلة ليست في وجود التقسيط، بل في اقتصاد يدفع المواطنين إلى شراء الأساسيات بالدين، فإذا ظلت الحكومة تتعامل مع 1.4 تريليون جنيه كرقم نجاح لا كإنذار اجتماعي، فإن فقاعة الأقساط ستبقى مرشحة للاتساع.