كشف أعضاء بمجلس النواب المصري عن تحركات جديدة داخل البرلمان لتنظيم نشاط البلوجرز وصناع المحتوى الإلكتروني، عبر مقترحات تستهدف فرض تراخيص وضوابط قانونية وربط الأرباح بالمنظومة الضريبية، في خطوة تعكس اتساع مخاوف الدولة من تنامي الاقتصاد الرقمي خارج الرقابة الرسمية، بعدما تحولت منصات التواصل إلى سوق موازية ضخمة للإعلانات والتجارة دون رقابة أو ضرائب أو معايير واضحة لحماية المستهلكين.

 

وأعادت هذه التحركات البرلمانية فتح ملف العلاقة بين السلطة والفضاء الإلكتروني في مصر، خصوصًا مع تصاعد القبضة الرقابية على المحتوى الرقمي خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع سعي الحكومة لزيادة الحصيلة الضريبية بعد اتساع الأزمة الاقتصادية وارتفاع عجز الموازنة، بينما يخشى كثيرون من أن تتحول دعوات التنظيم إلى أداة جديدة لتقييد المحتوى المستقل وإخضاع المجال الرقمي لهيمنة أمنية ومالية كاملة.

 

تراخيص البلوجرز بين الرقابة والجباية

 

تقدم النائب أيمن محسب باقتراح برغبة إلى رئيس مجلس النواب، موجها إلى رئيس الوزراء ووزير المالية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام، طالب فيه بإنشاء نظام قانوني لترخيص وتنظيم نشاط صناع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، بما يضمن إخضاع هذا القطاع المتنامي لإشراف الدولة المباشر.

 

وأوضح محسب أن الاقتراح يستهدف الاستفادة من التجربة السعودية في تنظيم نشاط المؤثرين والإعلانات الرقمية، عبر وضع قواعد واضحة للمحتوى المدفوع والإعلانات الإلكترونية، مع إلزام صناع المحتوى بالإفصاح عن الإعلانات التجارية وربط النشاط الرقمي بالإطار الضريبي الرسمي داخل الدولة.

 

وأضاف النائب أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا غير مسبوق في نشاط البلوجرز والمؤثرين، بالتزامن مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي، وهو ما خلق سوقًا إعلانية ضخمة تعتمد بصورة رئيسية على التسويق الإلكتروني عبر المنصات المختلفة دون وجود إطار تشريعي واضح ينظم هذه الأنشطة.

 

وأشار محسب إلى أن غياب الضوابط القانونية ساهم في انتشار إعلانات غير معلنة وترويج منتجات وخدمات دون رقابة حقيقية، إلى جانب تحقيق أرباح ضخمة خارج المنظومة الرسمية، وهو ما اعتبره إخلالًا بمبادئ الشفافية والعدالة داخل السوق المصري.

 

وفي السياق ذاته قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الدولة لا تتحرك لتنظيم الاقتصاد الرقمي بهدف التطوير بقدر ما تتحرك تحت ضغط الأزمة المالية والبحث عن مصادر جباية جديدة بعد تراجع الإيرادات التقليدية وارتفاع أعباء الديون وخدمة القروض خلال السنوات الأخيرة.

 

وأكد النحاس أن الحكومة تجاهلت لسنوات بناء بيئة رقمية منظمة ومحفزة، ثم عادت الآن للتعامل مع البلوجرز باعتبارهم موردًا ضريبيًا سريعًا، رغم غياب تشريعات متكاملة تنظم الاقتصاد الرقمي وتحمي العاملين فيه وتحافظ على حرية التعبير والمنافسة العادلة.

 

كما أوضح خبير الإعلام الرقمي محمد فتحي أن تنظيم سوق الإعلانات الإلكترونية لا يمكن أن يتم فقط عبر فرض التراخيص، بل يحتاج إلى إطار مهني وقانوني واضح يحدد مسؤوليات المنصات والمعلنين وصناع المحتوى، حتى لا يتحول التنظيم إلى أداة انتقائية تستخدم ضد بعض الأصوات دون غيرها.

 

ولفت فتحي إلى أن جزءًا كبيرًا من أزمة المحتوى الرقمي في مصر يرتبط بغياب المعايير المهنية وتراجع الإعلام التقليدي، وهو ما فتح المجال أمام صناع محتوى يعتمدون على الإثارة والربح السريع لتحقيق الانتشار، في ظل ضعف الرقابة المهنية وتراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية الرسمية.

 

قضايا البلوجرز تكشف حجم الفوضى الرقمية

 

تصاعد الجدل حول نشاط البلوجرز بعد تداول قضايا مرتبطة ببعض الشخصيات الشهيرة على مواقع التواصل، من بينها البلوجر المعروفة باسم نورهان حفظي، والتي كشفت تقارير إعلامية أن اسمها الحقيقي سناء، مع اتهامات تتعلق بتعاطي المخدرات وإثارة الجدل عبر المحتوى المنشور على المنصات المختلفة.

 

وأثارت هذه الوقائع موجة جديدة من المطالب البرلمانية والإعلامية بضرورة فرض رقابة أكبر على المحتوى الإلكتروني، خصوصًا مع تصاعد ظاهرة تحقيق أرباح ضخمة عبر الإعلانات المباشرة والترويج لمنتجات وخدمات دون أي التزام بمعايير قانونية أو ضريبية واضحة.

 

وفي هذا الإطار قالت أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة الدكتورة ليلى عبد المجيد إن الفوضى الحالية في المحتوى الرقمي جاءت نتيجة غياب الدولة عن تنظيم المجال الإعلامي الحديث لسنوات، مقابل التركيز على الأدوات العقابية والرقابية بدلًا من تطوير تشريعات مهنية تواكب التحولات الرقمية المتسارعة.

 

وأضافت عبد المجيد أن بعض المنصات تحولت إلى مساحة مفتوحة للإعلانات المقنعة والترويج غير المنضبط، مع غياب الإفصاح عن المحتوى المدفوع، وهو ما يضر بحقوق الجمهور ويؤثر على ثقة المستخدمين في البيئة الرقمية المصرية بصورة متزايدة.

 

كذلك شددت على أن التعامل مع الظاهرة يجب ألا يتحول إلى حملة تضييق واسعة ضد صناع المحتوى المستقلين أو الشباب العاملين في الاقتصاد الرقمي، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل التقليدية داخل السوق المصري خلال الأعوام الأخيرة.

 

ومن ناحية أخرى أشار النائب أيمن محسب إلى أن المقترح الجديد يهدف لإنشاء نظام لتسجيل وترخيص صناع المحتوى المحترفين الذين يحققون عوائد مالية منتظمة، مع وضع قواعد واضحة للإعلانات الرقمية والإفصاح الإجباري عن المحتوى الدعائي وربط النشاط بالمنظومة الضريبية بشكل منظم.

 

وأكد أن الهدف المعلن من هذه الخطوة يتمثل في تحويل الاقتصاد الرقمي من سوق عشوائية إلى نشاط رسمي يخضع للقانون، بما يحقق للدولة القدرة على الرقابة والتحصيل الضريبي، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق المستهلكين والمعلنين داخل السوق الإلكترونية.

 

التجارة الإلكترونية غير الرسمية تربك الحكومة

 

بالتوازي مع ملف البلوجرز تقدم النائب أشرف أمين بطلب إحاطة إلى مجلس النواب، طالب فيه الحكومة بالتحرك العاجل لمواجهة ما وصفه بالتوسع الخطير للتجارة غير الرسمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن هذه الأنشطة تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الوطني وحقوق المستهلكين.

 

وأوضح أمين أن آلاف الصفحات والجروبات على مواقع التواصل تمارس البيع يوميًا دون تراخيص أو سجلات ضريبية أو رقابة فعلية، وهو ما أدى إلى ظهور أسواق موازية تعمل خارج الإطار القانوني وتفقد الدولة جزءًا كبيرًا من قدرتها على التنظيم والتحصيل المالي.

 

وأشار النائب إلى أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام تداول منتجات مجهولة المصدر وغير مطابقة للمواصفات، خاصة في قطاعات الأغذية ومستحضرات التجميل والأجهزة الإلكترونية والملابس، بما يعرض المواطنين لمخاطر صحية واقتصادية متزايدة.

 

وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الاقتصاد الموازي الرقمي توسع بصورة كبيرة بسبب تعقيد الإجراءات الرسمية وارتفاع تكاليف التشغيل والضرائب، ما دفع آلاف الشباب والتجار الصغار إلى الاعتماد على منصات التواصل باعتبارها وسيلة أرخص وأسرع للبيع والتسويق.

 

وأوضح نافع أن الدولة تتحمل مسؤولية تضخم الاقتصاد غير الرسمي بسبب ضعف البيئة الاستثمارية وغياب الحوافز الحقيقية للاندماج داخل الاقتصاد الرسمي، مؤكدًا أن فرض القيود وحده لن ينجح في حل الأزمة ما لم يصاحبه تبسيط للإجراءات وتخفيف للأعباء الضريبية.

 

كما أشار إلى أن الحكومة تحاول حاليًا السيطرة على كل مصادر النشاط الاقتصادي بعد اتساع الضغوط المالية وارتفاع عجز الموازنة، وهو ما يفسر التحركات السريعة نحو فرض الرقابة على التجارة الرقمية وصناع المحتوى والمؤثرين خلال الفترة الأخيرة.

 

بدوره تساءل النائب أشرف أمين عن حجم الخسائر الضريبية التي تتحملها الدولة سنويًا بسبب التجارة الإلكترونية غير المقننة، مطالبًا الحكومة بالكشف عن آليات الرقابة الحالية وخطة دمج هذه الأنشطة داخل الاقتصاد الرسمي دون الإضرار بصغار البائعين والعاملين بالمجال الرقمي.

 

وأكد أمين أن مواجهة ما وصفه بفوضى التجارة الإلكترونية لم تعد مسألة اختيارية، بل أصبحت ضرورة لحماية الاقتصاد الوطني وتحقيق المنافسة العادلة، مطالبًا بتحرك حكومي عاجل لوقف نزيف الاقتصاد الموازي الرقمي واستعادة قدرة الدولة على الرقابة والتحصيل.

 

وفي المقابل يرى مراقبون أن الأزمة تتجاوز مجرد غياب التراخيص، إذ تعكس اتساع الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والواقع الفعلي داخل المجتمع، بعدما دفعت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة آلاف الشباب إلى البحث عن مصادر دخل بديلة عبر الإنترنت بعيدًا عن الوظائف التقليدية منخفضة الأجور.

 

كما تكشف التحركات البرلمانية الأخيرة حجم القلق الرسمي من الفضاء الرقمي الذي بات خارج السيطرة الكاملة للدولة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الإعلامية، وهو ما يدفع السلطة نحو محاولة إحكام القبضة على المنصات الإلكترونية تحت عناوين التنظيم والرقابة الضريبية وحماية المستهلك.

 

وتضع هذه التطورات الحكومة أمام اختبار صعب بين الحاجة لتنظيم الاقتصاد الرقمي وضبط الفوضى التجارية، وبين مخاوف تحول التشريعات الجديدة إلى أدوات إضافية لتقييد المجال العام الإلكتروني، في وقت أصبح فيه الإنترنت الملاذ الأخير لآلاف الشباب الباحثين عن العمل والدخل والقدرة على البقاء وسط أزمة اقتصادية خانقة.