كشفت شكاوى متصاعدة من المواطنين داخل مكاتب التأمينات الاجتماعية في عدة محافظات مصرية عن استمرار تعطل وبطء النظام الإلكتروني منذ تشغيل منظومة التحول الرقمي الجديدة في 24 فبراير 2026، ما أدى إلى تعطيل استخراج مستندات رسمية وتأجيل خدمات أساسية لأكثر من 30 يومًا، بينما أكدت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن الأزمة تعود إلى “بطء نسبي” مرتبط بمرحلة تشغيل المنظومة الجديدة، رغم تصاعد الغضب بين أصحاب المعاشات والمترددين على المكاتب الحكومية.

 

أعادت الأزمة فتح ملف فشل مشروعات الرقمنة داخل مؤسسات الدولة، بعدما تحولت مكاتب التأمينات إلى ساحات تكدس يومي لمواطنين يلاحقون أوراقًا متوقفة ومعاشات تراجعت قيمتها الفعلية بفعل التضخم وانهيار الجنيه، في وقت اعترف فيه نائب برلماني بإنفاق أكثر من 1.6 مليار جنيه على مشروعات تطوير لم تحقق نتائج ملموسة، بينما يواصل أصحاب المعاشات مواجهة أوضاع معيشية قاسية تحت وطأة الغلاء وتآكل الدخول.

 

تعطل السيستم يفاقم أزمة المواطنين داخل مكاتب التأمينات

 

اشتكى مئات المواطنين خلال الأسابيع الأخيرة من تعطل الخدمات داخل مكاتب التأمينات الاجتماعية، بعدما تسبب بطء النظام الإلكتروني في تعطيل استخراج مستندات حيوية، أبرزها “برنت التأمينات” والأوراق المطلوبة لإجراءات التعيين والقروض والمعاملات الحكومية المختلفة، ما أدى إلى تأجيل مصالحهم مرات متكررة دون حلول واضحة من الجهات المسؤولة.

 

في المقابل أكد مترددون على مكاتب التأمينات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بأعطال مؤقتة، بل أصبحت حالة يومية تتكرر داخل الفروع المختلفة، خصوصًا مع اعتماد الهيئة الكامل على المنظومة الإلكترونية الجديدة دون توفير بدائل ورقية أو مسارات طوارئ تسمح بإنهاء الخدمات الأساسية عند تعطل السيستم.

 

كذلك أوضح عدد من المواطنين أن الموظفين أنفسهم يواجهون صعوبة في التعامل مع النظام الجديد بسبب الضغط الكبير وضعف كفاءة التشغيل، ما تسبب في حالة ارتباك داخل المكاتب، بينما اضطر بعض أصحاب المعاملات إلى الحضور أكثر من مرة دون الحصول على الخدمة المطلوبة.

 

من جانبه قال الدكتور مصطفى السيد إن التحول الرقمي داخل قطاع التأمينات يحتاج إلى بنية تشغيلية مستقرة قبل إطلاق الخدمة بصورة كاملة، موضحًا أن نقل ملايين الملفات من النظام اليدوي إلى الإلكتروني دون اختبار فعلي شامل يؤدي غالبًا إلى تعطيل الخدمات الأساسية للمواطنين.

 

وأضاف مصطفى السيد أن أي مشروع رقمي يتعلق بملفات المعاشات والتأمينات يجب أن يتضمن نظمًا بديلة للتشغيل وقت الأعطال، خاصة أن الخدمات المقدمة ترتبط بمصالح مالية ومعيشية عاجلة، مشيرًا إلى أن غياب خطط الطوارئ كشف ضعف الاستعداد الفني والإداري للمنظومة الجديدة.

 

في السياق نفسه أعلنت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن ما يحدث لا يمثل توقفًا كاملًا للخدمات، وإنما “بطء نسبي” نتيجة تشغيل منظومة التحول الرقمي الجديدة التي بدأ تطبيقها رسميًا منذ فبراير 2026، مؤكدة أن فرق الدعم الفني تعمل بالتعاون مع الجهات المنفذة لتحسين كفاءة النظام.

 

مع ذلك أثارت تصريحات الهيئة غضب أصحاب المعاشات والمترددين على المكاتب، بعدما اعتبر كثيرون أن توصيف الأزمة باعتبارها “بطئًا نسبيًا” لا يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون، خصوصًا مع استمرار تأجيل الخدمات لأكثر من شهر داخل بعض الفروع.

 

علاوة على ذلك أشار مواطنون إلى أن تعطل الخدمات جاء في وقت تعتمد فيه جهات حكومية مختلفة على مستندات التأمينات ضمن إجراءات التوظيف والعلاج والقروض والتراخيص، ما تسبب في تعطيل مصالح واسعة ترتبط مباشرة بأوضاعهم الاقتصادية والمعيشية الصعبة.

 

مليارات مهدرة وفشل متكرر في مشروعات الرقمنة الحكومية

 

اعترف أحمد فرغلي عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب بوجود أزمة حقيقية داخل منظومة التأمينات الاجتماعية، مؤكدًا أن الهيئة حاولت قبل عامين تنفيذ مشروع للتحول من الأرشيف اليدوي إلى الإلكتروني عبر التعاقد مع إحدى الشركات بتكلفة بلغت نحو 300 مليون جنيه، لكن المشروع انتهى إلى الفشل رغم شراء أجهزة وتدريب موظفين.

 

ثم أضاف فرغلي أن الحكومة أعادت التعاقد مرة أخرى مع شركة جديدة لتنفيذ المشروع نفسه بتكلفة وصلت إلى 1.3 مليار جنيه، دون أن تنجح حتى الآن في تحقيق الهدف المعلن من التطوير، معتبرًا أن الأزمة الحالية تعكس استمرار الإخفاق الإداري والتقني داخل مؤسسات الدولة.

 

بدوره قال الدكتور محمود عبد الرحيم إن تكرار فشل مشروعات الرقمنة الحكومية يكشف غياب التخطيط المؤسسي الحقيقي، موضحًا أن التحول الإلكتروني لا يرتبط فقط بشراء أجهزة وبرامج، بل يتطلب تدريبًا فعليًا للكوادر وتدرجًا في التطبيق ومراجعة مستمرة للأداء.

 

وأوضح محمود عبد الرحيم أن إنفاق مليارات الجنيهات على تطوير منظومة التأمينات دون تحقيق نتائج ملموسة يثير تساؤلات كبيرة حول كفاءة إدارة الموارد العامة، خاصة أن المواطنين لم يلمسوا تحسنًا فعليًا في الخدمات، بل واجهوا مزيدًا من التعقيد والتكدس داخل المكاتب.

 

في المقابل حاولت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي الدفاع عن المنظومة الجديدة، مؤكدة أن مشروع التحول الرقمي يستهدف إتاحة الخدمات من أي مكتب تأمينات على مستوى الجمهورية دون التقيد بالموقع الجغرافي، إلى جانب تقليل فرص التلاعب وتعزيز الرقابة على المعاملات.

 

لكن متابعين رأوا أن الأزمة الحالية كشفت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي، بعدما تحولت وعود “الرقمنة” و”التطوير” إلى مصدر جديد لتعطيل مصالح المواطنين، بينما لم تتمكن الحكومة من ضمان استقرار الخدمات الأساسية رغم المبالغ الضخمة التي أُنفقت على المشروع.

 

من جهتها قالت الدكتورة نجلاء جمال إن نجاح أي تحول رقمي داخل قطاع التأمينات يرتبط بثقة المواطنين في كفاءة الخدمة، مؤكدة أن تعطل الخدمات لفترات طويلة يهدد بفقدان هذه الثقة ويؤدي إلى تراجع فعالية المنظومة بالكامل.

 

وأوضحت نجلاء جمال أن المؤسسات الحكومية مطالبة بإعلان تقييمات دورية وشفافة لأداء المشروعات الرقمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تمس ملايين المواطنين، مشيرة إلى أن غياب الشفافية بشأن أسباب الأعطال وتكلفتها الحقيقية يزيد من حالة الغضب المجتمعي.

 

أصحاب المعاشات بين التضخم وتراجع القيمة الفعلية للدخول

 

تزامنت أزمة السيستم مع تصاعد شكاوى أصحاب المعاشات من ضعف المبالغ التي يحصلون عليها شهريًا، في وقت تشهد فيه الأسواق المصرية ارتفاعات متواصلة في أسعار السلع والخدمات، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.

 

وأكد أحمد فرغلي أن الدولة لم توفر ضمانات حقيقية لأصحاب المعاشات رغم أن أموالهم تمثل “أموالًا خاصة” وليست منحة حكومية، مشددًا على أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي فشلت في إدارة المحفظة المالية الخاصة بملف المعاشات.

 

كما أشار فرغلي إلى أن القوة الشرائية للجنيه تراجعت بصورة حادة بين عامي 2015 و2026، موضحًا أن المواطن لم يكن مسؤولًا عن انهيار سعر العملة أو الارتفاع الكبير في معدلات التضخم، بينما استمرت الحكومة في تحميل المواطنين نتائج سياساتها الاقتصادية.

 

وأضاف أن الحد الأدنى للمعاشات لم يعد يواكب تكاليف المعيشة الفعلية، متسائلًا عن كيفية قدرة وكيل وزارة أو مدير مدرسة على العيش بمعاش يبلغ 3500 جنيه فقط، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

 

في السياق ذاته أوضح الدكتور أحمد نبيل أن القيمة الحقيقية للمعاشات تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الماضية بسبب التضخم وتراجع سعر الجنيه، مؤكدًا أن الزيادات السنوية المحدودة لم تعد كافية لتعويض الفارق الكبير في تكاليف المعيشة.

 

وأشار أحمد نبيل إلى أن الحديث الحكومي عن زيادة المعاشات يفقد معناه الاقتصادي عندما تتراجع القدرة الشرائية للمواطن بصورة أسرع من نسب الزيادة، لافتًا إلى أن الألف جنيه التي كانت تساوي نحو 60 دولارًا في 2015 أصبحت اليوم أقل من 20 دولارًا تقريبًا.

 

في المقابل أكدت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي انتظام صرف معاشات شهري أبريل ومايو وفق الجداول المحددة، مع استمرار إدراج الحالات الجديدة تباعًا، نافية تأثر عمليات الصرف بالأعطال الفنية التي ضربت المنظومة الإلكترونية.

 

غير أن أصحاب المعاشات اعتبروا أن انتظام الصرف لا يلغي الأزمة الأساسية المتعلقة بضعف قيمة المعاشات نفسها، خاصة مع استمرار موجات الغلاء وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة تفوق بكثير معدلات الزيادة السنوية التي تعلنها الحكومة.

 

وفي ظل استمرار الأعطال وتراجع الخدمات وتصاعد الغضب الشعبي، تبدو أزمة التأمينات الاجتماعية نموذجًا جديدًا لفشل إدارة الملفات الخدمية داخل مؤسسات الدولة، بعدما تحولت مشروعات الرقمنة المكلفة إلى عبء إضافي على المواطنين، بينما يواصل أصحاب المعاشات دفع ثمن السياسات الاقتصادية وتدهور قيمة دخولهم وسط غياب حلول حقيقية تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.