سلط معهد دراسات الأمن القومي (INSS) الضوء على الوساطة المصرية لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال: "بينما قادت باكستان جهود الوساطة لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران طوال فترة الحرب، لعبت مصر دورًا فاعلًا، وإن كان ثانويًا، في هذه العملية. فقد انتابها القلق إزاء التداعيات السلبية للحرب على استقرارها الاقتصادي وتوازن القوى الإقليمي".
وأشار إلى مشاركة مصر في جهود الوساطة ضمن إطار آلية تنسيق رباعية جديدة، إلى جانب باكستان والسعودية وتركيا، بهدف تشكيلها كتحالف عربي إسلامي يستغل النفوذ السياسي والاقتصادي والديموغرافي لدوله الأعضاء، ويُشكل ثقلًا موازنًا لإسرائيل وإيران.
وأضاف: "إذا ما تم بالفعل إنشاء هذه الآلية الرباعية، واستمرت في العمل طوال فترة الحرب وما بعدها ككتلة إقليمية متماسكة، وفي ظل غياب التعديلات اللازمة في السياسة الإسرائيلية الحالية، فإن خطر تصاعد التوترات بين (تل أبيب) والقاهرة، وتعميق عزلة إسرائيل الإقليمية، سيزداد".
وذكر مركز الأبحاث الإسرائيلي أنه "في سعيها للعب دور الوسيط المتفق عليه، اتخذت مصر موقفًا حذرًا طوال فترة الحرب: فقد تجنبت إدانة أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بشكل مباشر، حرصًا منها على عدم الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن و(تل أبيب)".
وتابع: "وفي الوقت نفسه، كانت إدانات مصر للهجمات الإيرانية على الدول العربية مترددة في البداية، لكنها اشتدت لاحقًا بسبب استياء حلفائها الخليجيين- الدول التي تُشكل دعمها الاقتصادي، والتي كانت تتوقع منها الوقوف إلى جانبهم بحزم أكبر".
ولفت في هذا الإطارا إلى أنه في محاولة لتسوية الخلافات، قام السيسي بجولة زيارات تضامنية إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين، مؤكدًا على ضرورة أن يراعي أي اتفاق نهائي مخاوف دول الخليج والأردن والعراق.
المصالح الكامنة وراء الوساطة
بحسب التقرير، فإنه من وجهة نظر القاهرة، فإن الجهود المبذولة لتسوية النزاع بين واشنطن وطهران تخدم سلسلة من المصالح المحلية والإقليمية – الاقتصادية والأمنية والسياسية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أدى الصراع الأوسع مع إيران، رغم عدم انخراط مصر فيه بشكل مباشر، إلى زعزعة استقرار بيئتها الإقليمية، وإلحاق أضرار جسيمة بالعديد من المصالح المصرية الحيوية، وتسبب في خسائر تراكمية للبلاد تُقدر بمليارات الدولارات.
وسجلت قناة السويس، أحد أهم مصادر دخل مصر من العملات الأجنبية، خسائر في الإيرادات بلغت حوالي 10 مليارات دولار منذ 7 أكتوبر 2023، نتيجة انخفاض حركة الملاحة بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وقد دفع التصعيد الحالي، والخوف من اتساعه، عددًا من شركات الشحن الدولية إلى إعادة تعليق الملاحة عبر القناة، بعد أن بدت وكأنها بدأت تتعافى من آثار الحرب الطويلة في غزة، وفقًا للتقرير.
إضافةً إلى ذلك، وفي ظلّ الحرب مع إيران، شهدت مصر تباطؤًا في قطاع السياحة، وصعوبات في تحويل الأموال من دخل العمال في دول الخليج إلى مصر، وتوقفًا مؤقتًا لإمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، وانخفاضًا في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، وارتفاعاً في أسعار النفط والوقود.
يُضاف إلى ذلك القلق بشأن القطاع الزراعي، الذي يوظف نحو ربع القوى العاملة المصرية، في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث الأسمدة التي تصل إلى مصر.
وفي الوقت نفسه، قد تتفاقم الأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد في البلاد في حال تأثر الملاحة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره العديد من البضائع في طريقها إلى قناة السويس.
ونظرًا لهشاشة الوضع الاقتصادي لمصر جراء تداعيات الحرب كما يشير التقرير، فقد ازداد اهتمامها بتحقيق وقف إطلاق النار. وقد دلّت التدابير الطارئة التي اتُخذت في أعقاب الحرب، بما في ذلك خفض استهلاك الطاقة، والتحول إلى العمل عن بُعد، وفرض قيود على الواردات، على حجم الضغط الذي كان سائدًا في مصر وأهمية استقرار النظام الاقتصادي.
وفي ظل هذه الظروف، حيث تُلحق أضرار الحرب أضراراً بالغة بالخزينة المصرية والحياة اليومية للمواطنين، حذر التقرير من أن تجدد التصعيد الإقليمي قد يُعمّق الأزمة الداخلية في مصر ويُشكّل تحديًا للنظام.
المخاوف المصرية بشأن النفوذ الإسرائيلي
على الصعيدين السياسي والأمني، أوضح التقرير أن الحرب فاقمت المخاوف المصرية بشأن تعزيز إسرائيل لنفوذها في ميزان القوى الإقليمي. فمن وجهة نظر القاهرة، تُعتبر إسرائيل - التي تُعلن حكومتها مرارًا وتكرارًا "تغيير وجه الشرق الأوسط" وتُروج لخطط تشجيع الهجرة الطوعية للفلسطينيين من غزة إلى سيناء - تهديدًا متزايدًا لأمنها القومي. وبالمثل،
ويُفسر الكثيرون في مصر الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران على أنها خطوة تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، مع الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية ضد جيرانها، وبدعم من الإدارة الأمريكية. ولذلك، فإن إنهاء الحملة بتفاهمات متبادلة - دون حسم عسكري حاسم - يتماشى مع تفضيل القاهرة لإقامة نظام إقليمي متعدد الأقطاب.
علاوة على ذلك، وعلى عكس دول الخليج التي تنظر إلى إيران كتهديد عسكري مباشر وقريب، فإن مصر -رغم نفورها من توسع نفوذ إيران في المنطقة وطموحاتها النووية- تعتبرها تهديدًا غير مباشر وأقل وضوحًا.
ويرى التقربر أن غياب الحدود المشتركة، والمسافة الجغرافية النسبية، وعملية التقارب التدريجي التي شهدتها السنوات الأخيرة، تُمكّن القاهرة من تبني موقف أكثر مرونة تجاه طهران، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وتجنب الانضمام إلى معسكر معادٍ لإيران بشكل واضح.
وإلى جانب أمل مصر في تحسن العلاقات بين الدول العربية وإيران مستقبلًا، فإنها تُدرك مزايا قدرة إيران على ردع إسرائيل وموازنة نفوذها. كما تُعتبر تركيا -قوة غير عربية أخرى- في مصر تهديدًا يمكن احتواؤه، نظرًا لتقليصها دعمها لجماعة الإخوان المسلمين وتحسين علاقاتها مع القاهرة.
الرباعية العربية الإسلامية: تشكيل نظام إقليمي
وذكر التقرير أن الوساطة بين طهران وواشنطن جرت في إطار آلية رباعية أطلقها وزراء خارجية مصر وباكستان وتركيا والسعودية في الرياض في 20 مارس، والتي اجتمعت منذ ذلك الحين مرتين أخريين في إسلام آباد وأنطاليا.
وقال إن هذا الرباعي العربي الإسلامي بدأ عمله ردًا على الحرب في إيران، لكن الآمال التي يعلقها عليه المحللون المصريون لا تقتصر على إنهائها فحسب، بل تشمل أيضًا تشكيل النظام الإقليمي الذي سيليها في جوانب استراتيجية متعددة، منها: تقليل التبعية الإقليمية للقوى العالمية، وصياغة ترتيبات أمنية مستقرة، وكبح جماح "الطموحات الهيمنية" الإقليمية المنسوبة إلى إسرائيل وإيران، وتعزيز أنظمة الدفاع الإقليمية المشتركة، وتأمين الممرات الملاحية، وحماية المصالح الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا لتقرير بلومبيرج الصادر في أبريل 2026، فإن اتفاقية الدفاع التي أبرمتها السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 قد تتوسع مستقبلًا لتشمل تحالفًا رباعيًا يضم مصر وتركيا.
وترى القاهرة أن إمكانية التعاون بين هذه الدول - التي يبلغ تعداد سكانها مجتمعةً نحو نصف مليار نسمة - ترتكز على تكامل مصادر قوتها: فمصر تمتلك جيشًا قويًا، وكثافة سكانية عالية، وسيطرة على قناة السويس؛ والسعودية تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وقوة اقتصادية، ومكانة دينية مرموقة باعتبارها مهد الإسلام؛ وتركيا تمتلك صناعة دفاعية متطورة، وعضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا بين الشرق والغرب؛ وباكستان تمتلك ترسانة نووية. علاوة على ذلك، تربط هذه الدول الأربع علاقات جيدة مع القوى العظمى.
في الوقت نفسه، دفع حرص مصر على إظهار سيطرتها أمام حلفائها الخليجيين، وخدمة مصالحها الإقليمية، إلى إعادة طرح فكرة سبق أن طُرحت عدة مرات ثم جُمّدت، ألا وهي إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة لمواجهة تحديات المنطقة، وذلك طوال فترة الحرب.
وأشار وزير الخارجية عبدالعاطي وآخرون إلى أن هذه القوة ستُمكّن الدول العربية من التعامل بفعالية أكبر مع التهديدات والمخاطر التي تواجهها، والتأثير في النظام الإقليمي.
ووفقًا لتقارير عديدة، قدّمت مصر أيضًا مساعدات عسكرية لعدد من دول الخليج خلال الحرب، شملت نشر طائرات رافال المقاتلة في الإمارات العربية المتحدة، ونشر منظومة الدفاع الجوي المطوّرة "سكاي جارد أمون". وكان الهدف من هذه الخطوات إيصال رسالة إلى دول الخليج مفادها أن الدعم الاقتصادي الذي تُقدّمه لمصر يُحقق لها مكاسب أمنية حقيقية.
https://www.inss.org.il/he/publication/iran-egypt/

