تدرس الحكومة المصرية بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بدلا من الدعم العيني اعتبارا من يوليو مع بداية العام المالي 2026-2027، بينما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن الخطة تأتي ضمن تطوير منظومة الدعم، في وقت تخصص فيه الموازنة نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية من إجمالي دعم يبلغ 468 مليار جنيه.

 

تفتح هذه الخطوة بابا خطيرا أمام ملايين الأسر التي تعتمد على التموين والخبز كخط دفاع أخير أمام الغلاء، لأن تحويل السلعة إلى مبلغ نقدي ثابت داخل سوق مضطربة يعني أن الحكومة تنقل عبء الأسعار من الموازنة إلى جيوب الفقراء ثم تسمي ذلك كفاءة إنفاق واستهدافا أفضل.

 

تحويل الدعم إلى نقد يكسر ضمان الغذاء

 

قال مدبولي إن الحكومة تتابع مع وزارتي التموين والتضامن الاجتماعي والجهات المعنية إعداد خريطة تنفيذ واضحة للتطبيق التدريجي والمدروس، لكن هذه اللغة لا تجيب عن السؤال الأساسي الذي يخص المواطن، هل سيضمن النظام الجديد رغيفا وسلعا تكفي الأسرة أم يمنحها مبلغا يتآكل بعد أول موجة أسعار.

 

وفي المقابل يؤكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن الدعم العيني يلعب دورا أساسيا في تخفيف الفقر، ويحذر من تحويله إلى دعم نقدي يتآكل مع الغلاء، لذلك يخدم رأيه هذا المحور لأنه يضع الغذاء كحق اجتماعي لا كرقم قابل للتخفيض داخل حسابات الموازنة.

 

كما تستند الحكومة إلى خطاب تقليل الهدر والتسرب داخل منظومة السلع، غير أن معالجة الفساد لا تكون بمعاقبة المستحقين ولا بإلغاء الضمان السلعي عن الفقراء، لأن الدولة تستطيع إصلاح المنافذ والرقابة وقواعد الصرف من دون دفع الأسر إلى السوق المفتوحة وحدها.

 

وبحسب الأرقام الحكومية، يستفيد نحو 60 مليون مصري من منظومة التموين إلى جانب المستفيدين من دعم الخبز، وهذا الحجم يجعل أي خطأ في التطبيق قرارا يمس الأمن الغذائي اليومي لا تجربة إدارية محدودة، خصوصا في بلد شهد موجات تضخم متلاحقة خلال الأعوام الأخيرة.

 

التضخم يلتهم أي مبلغ ثابت

 

تراجع التضخم السنوي في المدن المصرية خلال أبريل إلى 14.9% مقابل 15.2% في مارس، لكنه ظل رقما مرتفعا بالنسبة لأسرة تنفق معظم دخلها على الطعام والنقل والعلاج، لذلك لا يكفي تراجع المؤشر على الورق لحماية مبلغ نقدي إذا لم يرتبط تلقائيا بالأسعار الفعلية للسلع الأساسية.

 

ومن هنا يوضح أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة هشام إبراهيم أن نجاح الدعم النقدي يعتمد على دقة قاعدة البيانات وكفاءتها وخلوها من التضارب بين الجهات، ويخدم رأيه هذا المحور لأنه ينقل النقاش من شعار التحول إلى سؤال الاستحقاق ومن سيخرج من المنظومة بالخطأ.

 

كذلك أشار وليد جاب الله إلى أن الغذاء يمثل أهم تحديات التحول الكامل، لأن عجز بعض الأسر عن تلبية احتياجاتها الأساسية قد يدفع الدولة للتدخل مجددا لتوفير السلع، ويخدم رأيه هذا الموضع لأنه يكشف أن الدعم النقدي قد يعيد الحكومة إلى نقطة البداية بعد تحميل الأسر المخاطرة.

 

وعلى أساس شهري سجل التضخم 1.1% في أبريل مقارنة بـ3.2% في مارس، لكن الأسرة التي تشتري الزيت والسكر والمكرونة والخبز لا تتعامل مع المتوسطات الإحصائية بل مع سعر الرف، لذلك يصبح الدعم النقدي بلا ربط واضح بالتضخم مجرد مبلغ يفقد قيمته مع كل ارتفاع جديد.

 

قواعد البيانات قد تستبعد الفقراء بدل حمايتهم

 

تعتمد خطة الحكومة على فكرة الاستهداف الأدق للفئات الأكثر احتياجا، غير أن الاستهداف نفسه يتحول إلى خطر عندما تكون قواعد البيانات غير محدثة أو متضاربة، لأن حذف أسرة مستحقة من التموين لا يعني خطأ رقميا فقط بل يعني قطع سلعة أساسية عن بيت محدود الدخل.

 

وفي الوقت نفسه تتوسع برامج الدعم النقدي مثل تكافل وكرامة، لكنها لا تعوض تلقائيا منظومة التموين والخبز، لأن الدعم النقدي المشروط يستهدف فئات محددة بينما يعتمد التموين على شبكة أوسع تمس ملايين الأسر التي لا تظهر دائما في سجلات الفقر الرسمية رغم تراجع قدرتها الشرائية.

 

لذلك تبدو الحكومة وكأنها تبدأ من النتيجة قبل الضمانات، فهي تتحدث عن يوليو والتطبيق التدريجي وتعد بكشف التفاصيل لاحقا، بينما يحتاج المواطن الآن إلى إجابة محددة عن قيمة الدعم النقدي وطريقة تحديثه ومصير الخبز والسلع وآلية التظلم عند الحذف أو الخطأ.

 

وبينما ترفع الحكومة شعار رفع كفاءة الإنفاق العام، يظهر الخطر في أن يتحول الملف إلى أداة لتقليص الدعم تحت ضغط الموازنة والديون، لأن تخصيص 178.3 مليار جنيه للسلع التموينية لا يعني حماية حقيقية إذا جرى تحويلها إلى مبالغ لا تلاحق السوق ولا تكفي الحد الأدنى من الغذاء.

 

وتكشف هذه الخطة أن أزمة الدعم في مصر ليست فنية فقط بل سياسية واجتماعية، فالحكومة التي عجزت عن ضبط الأسعار والأسواق تريد نقل المواطن من ضمان السلعة إلى مخاطرة النقد، ثم تطلب منه الثقة في بيانات لم تثبت كفايتها وفي سوق لا ترحم الفقراء عند كل موجة غلاء.

 

وتبقى الخلاصة أن الدعم النقدي قد يبدو سهلا في دفاتر المالية العامة، لكنه يتحول في بيوت المصريين إلى سؤال خبز وزيت وسكر، وإذا لم تضمن الحكومة قيمة عادلة ومحدثة ورقابة صارمة وتظلما سريعا فإن يوليو سيصبح بداية مرحلة جديدة من تحميل الفقراء كلفة الإصلاح المزعوم.