تتواصل المعارك العنيفة في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، في واحدة من أكثر جبهات الحرب السودانية اشتعالاً خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة “الكيلي” الاستراتيجية الواقعة قرب مدينة الكرمك الحدودية مع إثيوبيا، عقب مواجهات ضارية مع قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات ومقاتلي الحركة الشعبية، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية مع نزوح عشرات الآلاف من المدنيين وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

 

وأكد الجيش السوداني، في بيان رسمي، أن قوات الفرقة الرابعة مشاة مدعومة بقوات مساندة تمكنت من “تحرير منطقة الكيلي الواقعة على تخوم مدينة الكرمك بالمحور الجنوبي”، بعد ما وصفها بـ”المعارك البطولية” ضد قوات الدعم السريع ومقاتلي الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.

 

وأوضح البيان أن القوات الحكومية كبّدت خصومها “خسائر فادحة في الأرواح والعتاد”، مشيراً إلى فرار أعداد من المقاتلين من مواقع المواجهة تحت ضغط الهجمات العسكرية المتواصلة، فيما شدد الجيش على استمرار عملياته العسكرية حتى “تطهير كامل مناطق المسؤولية وتأمين الحدود وتعزيز الأمن والاستقرار”.

 

 

وتحمل منطقة الكيلي أهمية عسكرية كبيرة نظراً لموقعها القريب من الحدود الإثيوبية، كما تمثل ممراً استراتيجياً في الصراع الدائر للسيطرة على إقليم النيل الأزرق، الذي بات يمثل إحدى أكثر الساحات حساسية في الحرب الممتدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

 

وكانت قوات الدعم السريع قد أعلنت في أواخر أبريل الماضي سيطرتها على المنطقة نفسها، قبل أن يعلن الجيش استعادتها مجدداً بعد معارك عنيفة، ما يعكس حالة الكر والفر التي تهيمن على جبهات القتال في جنوب البلاد.

 

 

تصعيد عسكري قرب الحدود الإثيوبية

 

وتأتي التطورات الأخيرة وسط تصاعد لافت للعمليات العسكرية في النيل الأزرق، حيث تشهد الولاية منذ أسابيع اشتباكات متواصلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال، الأمر الذي أدى إلى توتر إقليمي متزايد وأزمة دبلوماسية بين الخرطوم وأديس أبابا.

 

واتهمت السلطات السودانية، في وقت سابق، إثيوبيا بالسماح بانطلاق طائرات مسيّرة استراتيجية من مطار بحر دار الإثيوبي لاستهداف مواقع الجيش السوداني في مدينة الكرمك ومناطق أخرى بولايات كردفان، وهي اتهامات نفتها أديس أبابا بشكل قاطع، كما نفت الإمارات الاتهامات السودانية المتكررة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.

 

وفي المقابل، أعلنت الحركة الشعبية شمال المتحالفة مع قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة “خور الحسن” ذات الأهمية الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة استمرار تقدم قواتها نحو مناطق جديدة قريبة من مدينة الدمازين عاصمة الإقليم.

 

وقال نائب رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي التابع للحركة، استيفن أمد، إن قواتهم “أحكمت السيطرة بالكامل” على المنطقة، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية تتوسع باتجاه مناطق أخرى في مقاطعة قيسان وعلى ضفاف النيل الأزرق.

 

اتهامات متبادلة واستهداف للمدنيين

 

وفي تطور موازٍ، أعلن “تحالف السودان التأسيسي” الموالي لقوات الدعم السريع أن طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت شاحنة مدنية في ولاية جنوب كردفان كانت تقل عشرات المدنيين، ما أسفر – بحسب التحالف – عن مقتل 15 شخصاً وإصابة آخرين.

 

واتهم التحالف الجيش السوداني بتنفيذ “هجمات ممنهجة ضد المدنيين”، معتبراً أن القصف يأتي في إطار “سياسة تهدف إلى نشر الرعب وتوسيع دائرة الحرب”، بينما لم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني حول تلك الاتهامات.

 

وفي شمال دارفور، تحدثت المقاومة الشعبية المساندة للجيش عن تحركات عسكرية مكثفة لقوات الدعم السريع قرب منطقة الطينة الحدودية مع تشاد، مشيرة إلى رصد تعزيزات وتحشيدات ميدانية تمهيداً لهجمات محتملة على المناطق الحدودية.

 

وأكدت المقاومة أن قواتها في “أعلى درجات الجاهزية” لمواجهة أي هجوم جديد، وسط مخاوف من اتساع رقعة المعارك إلى مناطق إضافية في غرب السودان.

 

النيل الأزرق.. جبهة حاسمة في الحرب السودانية

 

ويرى محللون أن ولاية النيل الأزرق تحولت خلال الأشهر الأخيرة من جبهة ثانوية إلى ساحة رئيسية قد تحدد مسار الحرب في السودان، خصوصاً مع موقعها الجغرافي الحساس وارتباطها بولايات كردفان ودارفور وسنار.

 

ويقول خبراء إن سيطرة قوات الدعم السريع على الإقليم قد تمنحها فرصة لمحاصرة مناطق واسعة في وسط السودان وربط مناطق نفوذها ببعضها البعض، بينما يسعى الجيش السوداني لمنع سقوط الولاية باعتبارها نقطة استراتيجية بالغة الأهمية.

 

ووفق تقديرات لمنظمات متخصصة في رصد النزاعات المسلحة، فقد أسفرت المعارك في النيل الأزرق عن مقتل ما لا يقل عن 450 شخصاً بين يناير ومارس الماضيين، في واحدة من أعلى معدلات العنف التي تشهدها الولاية منذ اندلاع الحرب.

 

كارثة إنسانية تتفاقم

 

وبالتزامن مع التصعيد العسكري، تتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع في مناطق النزاع، حيث يعيش آلاف النازحين في ظروف قاسية داخل مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

 

وفي مخيم “كرامة 3” بمدينة الدمازين، تتكدس آلاف الأسر الفارة من الكرمك ومناطق القتال الأخرى، بينما يعاني السكان من نقص الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، إضافة إلى غياب الرعاية الصحية.

 

وتقول عواطف عوض، وهي نازحة فرت مع أطفالها الخمسة من الكرمك، إن العائلات لا تحصل سوى على وجبة واحدة يومياً، مضيفة أن طفلها المصاب بالملاريا لا يجد أي دواء داخل المخيم.

 

كما تحدث نازحون آخرون عن مخاوف كبيرة من موسم الأمطار الذي بدأ بالفعل، في ظل هشاشة الخيام البدائية المصنوعة من الأغطية البلاستيكية والقش، وغياب شبكات الصرف الصحي والخدمات الطبية.

 

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 150 ألف شخص نزحوا في أنحاء ولاية النيل الأزرق منذ اندلاع الحرب، بينما اضطر أكثر من 11 ألف مدني إلى الفرار من مدينة الكرمك وحدها خلال الأسابيع الماضية.

 

وحذرت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، دينيس براون، من أن نقص التمويل والقيود الأمنية تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، مؤكدة أن الاحتياجات الإنسانية تتزايد بوتيرة تفوق قدرة المنظمات الإغاثية على الاستجابة.

 

كما حذرت تقارير أممية من مخاطر انتشار الأمراض وسوء التغذية والعنف القائم على النوع الاجتماعي داخل المخيمات المكتظة، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الصحية والخدمية في أجزاء واسعة من الولاية.

 

اجتماع عربي طارئ بشأن السودان

 

وفي ظل استمرار التصعيد العسكري وتفاقم الأزمة الإنسانية، يعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين اجتماعاً طارئاً بشأن السودان، بناءً على طلب رسمي تقدمت به الحكومة السودانية لمناقشة التطورات الأخيرة والهجمات التي تعرضت لها البلاد.

 

ويأتي الاجتماع وسط مخاوف إقليمية ودولية متزايدة من تحول الحرب السودانية إلى صراع طويل الأمد يهدد استقرار المنطقة بأكملها، خصوصاً مع اتساع نطاق المعارك وتزايد التدخلات الإقليمية والاتهامات المتبادلة بين أطراف النزاع ودول الجوار.