أعلنت جهات التحقيق إحالة اللواء مهندس سابق بالقوات المسلحة هشام أبو سنة ومسؤولة سابقة بإدارة أملاك محافظة القاهرة إلى المحاكمة الجنائية في قضية تتعلق بأرض بحلوان جنوب القاهرة بعدما نسبت أوراق الاتهام تقديم بيانات غير صحيحة خفضت المستحقات المالية للدولة بملايين الجنيهات عبر مسار تسويات مالية داخل المحافظة.

 

جاءت الإحالة لتفتح سؤالا أوسع عن أثر التوغل العسكري في مفاصل الإدارة المحلية لأن حضور ضابط سابق في ملف تسوية أرض دولة لا يضيف خبرة محايدة بقدر ما يخلق مناخا يشعر فيه البعض أن المنصب السابق يمنح حماية وأن الموظف المدني يصبح الحلقة الأضعف فتتراجع الكفاءة وتشيخ المؤسسات ثم تموت كوادرها.

 

إحالة هشام أبو سنة ومحاكمة التسويات تكشف مناخ الحصانة داخل الإدارة المحلية

 

تبدأ وقائع القضية من ملف أرض خصصته محافظة القاهرة في التسعينيات لشركة خاصة لإقامة مشروع صناعي في العزبة القبلية بحلوان ثم تعثر المشروع ولم يكتمل واستمرت الشركة في وضع اليد سنوات طويلة دون تطوير حقيقي بحسب ما نسبته التحقيقات إلى معاينات ميدانية رصدت أرضا فضاء وسورا وبعض الإنشاءات المحدودة فقط.

 

وفيما رصدت الجهات الإدارية تعثر الشركة وعدم التزامها بشروط التعاقد تحولت الأرض مع ارتفاع أسعار القاهرة إلى نموذج لتسقيع الأصول العامة لأن الشركة احتفظت بالأرض انتظارًا لزيادة قيمتها بدل تنفيذ النشاط ثم اتجهت المحافظة لاحقا إلى سحب الأرض واستردادها رسميًا بعد معاينات أكدت غياب المشروع الفعلي.

 

ثم حاولت المحافظة طرح الأرض في مزاد علني لإعادة استغلالها لكن المزايدة لم تصل إلى القيمة التقديرية فتوقف البيع لتعود القضية إلى مسار أكثر حساسية عبر لجان التوازن المالي التي ظهرت كآلية لتسوية أوضاع أراض متعثرة بين الدولة وشركات وهو المسار الذي تدور حوله الاتهامات الأساسية.

 

لاحقا تتهم النيابة مسؤولة سابقة بإدارة أملاك المحافظة بتقديم مذكرة تضمنت بيانات غير مطابقة للحقيقة من بينها الإشارة إلى تنفيذ المشروع بنسبة كاملة وهو ما جعل التقييم يحتسب سعر المتر على أساس وجود مشروع منفذ فتحدد المبلغ المطلوب بنحو 13 مليون جنيه بينما قالت المعاينات والتقييمات اللاحقة إن السعر العادل يتجاوز ضعف ذلك.

 

وبالمثل تضع التحقيقات هشام أبو سنة ضمن أطراف الملف باعتباره ممثلا عن الشركة المتعاملة على الأرض مع اتهامات بالمشاركة في إجراءات إعادة التسوية وتقديم طلبات إعادة التعامل مع المحافظة وتزداد حساسية الإحالة لأن وجود ضابط سابق في نزاع مال عام يعكس اختلاط النفوذ الإداري بالقرار الفني على حساب المهنية المدنية.

 

عسكرة القرار الإداري تضعف الرقابة وتكسر الثقة وتقتل الكفاءة المدنية

 

وعلى مستوى البنية المؤسسية تكشف القضية كيف تتحول لجان التسويات إلى مساحة رمادية عندما تختلط فيها الولاية بالاستثناء لأن الموظف المدني الذي يعمل تحت ظل أسماء ذات خلفية عسكرية قد يتعامل مع القرار باعتباره أمر واقع لا يجوز الاعتراض عليه فتتراجع معايير المراجعة ويتقدم منطق المجاملة ثم ينهار معنى المساءلة.

 

كذلك يؤدي هذا المناخ إلى تآكل دور الكوادر المدنية المتميزة لأن الموظف الكفء لا يملك شبكة حماية ولا خطابا سلطويا وعندما يرى أن الترقي يتبع القرب من دوائر النفوذ لا جودة العمل يختار الانسحاب الصامت أو يدفن خبرته داخل مكاتب بلا تأثير فتخسر الدولة عقولها قبل أن تخسر أموالها.

 

ومن ثم يصبح الحديث الحكومي عن الحوكمة مجرد شعار لأن الواقعة نفسها تتضمن اتهامات بتقديم بيانات فنية غير دقيقة بل وشبهة تزوير في محررات رسمية وفق تقارير فنية قالت إن بعض التوقيعات لا تعود لأصحابها الحقيقيين وهو ما يعني أن منظومة التحقق الداخلية لم تعمل أو جرى تحييدها لصالح تسوية مريحة.

 

وعوضا عن فرض رقابة صارمة على بيانات التسويات تميل الجهات التنفيذية إلى تبرير الأمر باعتباره معاملة تجارية بين أطراف وهو تبرير ينسحب من المسؤولية لأن المال العام ليس سلعة بين شركتين ولأن ولاية الدولة على الأرض تعني واجب حماية قيمتها لا تركها لتقديرات يمكن دفعها نحو التخفيض تحت أي مسمى.

 

إضافة إلى ذلك يوضح الباحث يزيد صايغ في دراساته عن الاقتصاد العسكري أن بنى الإدارة التي تعمل تحت نفوذ المؤسسة العسكرية تتحرك في مساحات أقل خضوعا للإطار التنظيمي المعتاد وهو ما يسمح بتجاوز قواعد الرقابة والمنافسة ويجعل المؤسسة المدنية تتكيف مع الاستثناء بدل الدفاع عن القاعدة فتتكرر أزمات الأراضي والمال العام.

 

من لجان التوازن المالي إلى إعادة توزيع أصول الدولة وكيف يترسخ شعور فوق القانون

 

وبالتالي لا تبدو القضية مجرد خلاف تقييم لأن جوهرها يتعلق بفكرة أن بعض الملفات تدار بمنطق فوق القانون وأن المعايير تتغير حسب الشخص لا حسب المستند وهو ما يعيد سؤال الحصانة غير المعلنة التي صنعتها الدولة عبر سنوات عندما توسع دور الضباط السابقين في المحافظات والهيئات والمشروعات.

 

وعلى صعيد أوسع سبق أن أثارت تغطيات حقوقية وإعلامية مسألة القوانين التي تمنح امتيازات أو حماية لدوائر داخل المؤسسة العسكرية وهو ما يغذي شعورا بأن المساءلة ليست واحدة على الجميع وأن الموظف المدني يدفع الثمن إذا خالف بينما ينجو صاحب النفوذ حتى لو كان طرفا في ملف مال عام.

 

كما يشرح المحامي الحقوقي خالد علي أن ضعف الشفافية في إدارة أملاك الدولة وملفات التقنين يفتح الباب لتسويات تطيح بحقوق الخزانة عندما تعتمد اللجان على محاضر وبيانات قابلة للتلاعب لأن غياب الإتاحة العامة للملفات يجعل كشف الانحراف متأخرا بعد وقوع الضرر وبعد خروج الكفاءات المدنية من مواقعها.

 

أخيرا تبرز إحالة ضابط سابق بالجيش في نزاع مال عام كإشارة سياسية قبل أن تكون قانونية لأن الدولة التي تسمح بتغلغل النفوذ العسكري في الإدارة المحلية ثم تنتظر جهازا مدنيا قويا تحصد مؤسسات ضعيفة وخبرة مقتولة وثقة منهارة وما لم تغلق الحكومة باب الاستثناء ستظل التسويات بوابة لإعادة تسعير أصول الدولة بأقل من قيمتها.