كشفت واقعة تحرش داخل مدرسة خاصة بمحافظة الجيزة  عن خلل خطير في منظومة حماية الطلاب، بعدما دفعت مقاطع كاميرات المراقبة أولياء الأمور إلى مواجهة سؤال مباشر حول قيمة قرارات وزارة التربية والتعليم، ونتيجة الواقعة وضعت ملف المدارس الخاصة والدولية أمام اتهام واضح بالتراخي الرقابي لا بنقص النصوص.

 

تضع الواقعة الحكومة أمام مسؤولية سياسية وإنسانية لا تحتمل التخفيف، لأن الطفل يدخل المدرسة باعتبارها مساحة تعليم ورعاية لا مساحة خطر، وحين تحتاج الأسرة إلى تسريب فيديو حتى تتحرك الأسئلة العامة، فإن المشكلة لا تقف عند عامل أو إدارة مدرسة، بل تمتد إلى جهاز رقابي يعلن قرارات ولا يضمن تنفيذها.

 

قرارات الوزارة بقيت على الورق والطلاب دفعوا ثمن الفجوة

 

بعد ذلك، يستعيد أولياء الأمور قرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في نوفمبر 2025، حين شددت الوزارة إجراءات الحماية داخل المدارس الخاصة والدولية بعد واقعة مدرسة سيدز، وقررت وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري وإحالة المتورطين في التستر أو الإهمال للتحقيق، لكن تكرار الوقائع يكشف أن العقوبة اللاحقة لا تعني وجود وقاية سابقة.

 

في المقابل، تكشف واقعة الجيزة أن كاميرات المراقبة تحولت في بعض المدارس من وسيلة حماية إلى دليل متأخر بعد وقوع الانتهاك، لأن المنظومة التي تراقب التسجيلات وتتابع أماكن الخطر وتمنع انفراد العاملين بالأطفال لا تظهر إلا بعد الفضيحة، وهنا يصبح القرار الوزاري واجهة إدارية لا نظام حماية يومي.

 

لذلك، لا تكفي مطالبة المدارس بتركيب كاميرات أو تنظيم ندوات توعية إذا غابت المتابعة الميدانية المفاجئة، لأن المدرسة الخاصة قد تلتزم شكليًا بصورة كاميرا على الحائط أو منشور توعوي في بداية العام، بينما يبقى الطفل بلا حماية عملية داخل الممرات ودورات المياه ومناطق الانتظار والنقل المدرسي.

 

كما أن اتساع قطاع المدارس الخاصة، الذي يقترب من 10,000 مدرسة وفق تقديرات متداولة في الملف التعليمي، يجعل الرقابة الورقية اعترافًا بالعجز قبل أن تكون أداة إدارة، لأن الوزارة تعرف حجم القطاع وتعرف تفاوت إمكانياته، ومع ذلك تترك الالتزام مرهونًا بضمير الإدارة وقدرة الأهالي على الشكوى.

 

ويؤكد سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن جذور التحرش ترتبط بترك الأمن المجتمعي لحساب أولويات أخرى، وهي قراءة تخدم هذا المحور بوضوح، لأن المدرسة لا تحتاج خطابًا أخلاقيًا فقط، بل تحتاج جهازًا رقابيًا يعتبر أمن الطفل جزءًا من الأمن العام لا ملفًا ثانويًا ينتظر الغضب الشعبي.

 

ضعف التفتيش يحول المدرسة الخاصة إلى مساحة مغلقة على الإدارة

 

ثم تظهر المشكلة الإدارية في بنية التفتيش نفسها، لأن المدارس الخاصة والدولية تعمل بأنماط ملكية وتشغيل متداخلة، وتدير خدمات داخلية عبر عمال وأمن ومشرفين وسائقين، بينما يتعامل التفتيش غالبًا مع ملفات ترخيص ومصروفات وشكاوى ظاهرة، ولا يدخل إلى تفاصيل السلامة اليومية داخل المنشأة.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح نص قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981 على خضوع المدارس الخاصة لإشراف وزارة التربية والتعليم والمديريات التعليمية نصًا غير كافٍ وحده، لأن الإشراف لا يقاس بوجود سلطة قانونية على الورق، بل يقاس بقدرة الوزارة على التفتيش والمحاسبة وتجميد الخطر قبل وقوع الضرر.

 

كذلك، يكشف تكرار الوقائع أن الوزارة تتصرف غالبًا بمنطق رد الفعل، فتوفد لجنة بعد انتشار الواقعة، وتعلن قرارات بعد ضغط الرأي العام، وتتعهد بحماية الطلاب بعد اتساع الغضب، بينما كان المطلوب سجلًا رقابيًا دائمًا يراجع العاملين ويتابع الكاميرات ويفرض قنوات إبلاغ آمنة ومعلنة للأسر والطلاب.

 

وفي هذا السياق، تخدم مواقف حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محور المساءلة المؤسسية، لأنه يمثل صوتًا حقوقيًا مستقلًا تعرض لضغوط بسبب عمله العام، وتذكّر حالته بأن حماية الحقوق لا تقوم على البيانات الرسمية وحدها، بل على مساءلة علنية لا تخاف من كشف التقصير داخل مؤسسات الدولة.

 

بناء على ذلك، لا يجوز أن تتحول المدارس الخاصة إلى جزر إدارية مغلقة خلف المصروفات المرتفعة والواجهات الدولية، لأن دفع الأسرة رسومًا عالية لا يعني تنازلها عن رقابة الدولة، بل يضاعف مسؤولية الحكومة التي سمحت لهذه المؤسسات بالعمل وجعلت إشرافها القانوني شرطًا لبقائها داخل المنظومة التعليمية.

 

حماية الأطفال تحتاج برنامجًا مؤسسيًا لا نصائح منزلية للأسر

 

في الوقت نفسه، يعبر أولياء الأمور عن قلق متزايد لأنهم لا يجدون دائمًا مسارًا واضحًا للإبلاغ أو معرفة برامج التوعية داخل المدرسة، فتنتقل مسؤولية الحماية عمليًا إلى البيت، وتصبح الأسرة مطالبة بتدريب الطفل على الخطر بدل أن تضمن الدولة والمدرسة بيئة لا تسمح بوقوع الخطر أصلًا.

 

غير أن عزة كامل، رئيسة مؤسسة وسائل الاتصال الملائمة من أجل التنمية، تدعم هذا المحور حين تؤكد في مواقفها العامة أن القانون وحده لا يكفي في مواجهة التحرش، وهو رأي يضع التوعية المؤسسية والتدريب المستمر في قلب الحماية، لا باعتبارهما نشاطًا موسميًا بل جزءًا من إدارة المدرسة اليومية.

 

ومن هنا، تحتاج المدارس إلى برنامج معلن يعرفه الطالب وولي الأمر والمعلم والعامل، يحدد حدود التعامل الجسدي، ومسارات الشكوى، ومسؤوليات المشرفين، وآلية مراجعة الكاميرات، وقواعد اختيار العاملين، لأن الكلام العام عن السلامة الشخصية لا يحمي طفلًا إذا بقي بلا إجراء واضح داخل لحظة الخطر.

 

وبالتوازي، تؤكد هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، أهمية التعامل التربوي السليم داخل المدارس بدل الحلول الشكلية، وتخدم رؤيتها هذا المحور لأن حماية الأطفال لا تتحقق بعزل الطلاب أو إخافتهم، بل بتربية مدرسية واضحة تشرح الحدود وتحفظ الكرامة وتربط الانضباط النفسي بالمسؤولية المؤسسية.

 

لذلك، تبدو حكومة السيسي مسؤولة سياسيًا عن الفجوة بين النص والتنفيذ، لأنها تملك القانون والوزارة والمديريات وقرارات الإشراف، لكنها لا تقدم حتى الآن منظومة تفتيش كافية تجعل كل مدرسة تعرف أن الإهمال سيكشف قبل الفضيحة، وأن التستر سيكلف الإدارة ترخيصها لا مجرد بيان عابر.

 

ختامًا، تفرض واقعة الجيزة سؤالًا قاسيًا على وزارة التربية والتعليم: كم واقعة يجب أن تظهر على كاميرات المراقبة حتى تتحول الحماية من رد فعل إلى نظام سابق على الجريمة، لأن المدرسة التي لا تؤمن الطفل تفقد معناها، والحكومة التي تكتفي بالقرارات بعد الكارثة تشارك في صناعة الخطر بالصمت والتراخي.