شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
وقف المجرم وأحد زعماء العصابات الصهيونية القاتلة الدموية، ديفيد بن غوريون خلال اجتماع القيادة الصهيونية في مدينة يافا المحتلة (تل أبيب) في 14 مايو 1948، وألقى بيانا أمام شركائه المجرمين الملوثة أيديهم بدماء الفلسطينيين، الذين شكَّلوا هيئتين متداخلتين: فاعد لئومي (المجلس القومي)، وهو يمثّل الييشوف (أي المغتصبين اليهود في فلسطين)، والوكالة اليهودية، وهي الذراع الخارجي للحركة الصهيونية والممثِّل المفترَض ليهود العالم داعمي الصهيونية، وقال في خطابه المشؤوم: "اجتمعنا نحن أعضاء مجلس الشعب، ممثلي السكان اليهود في البلاد وممثلي الحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل، وبحكم حقنا الطبيعي والتاريخي بمقتضى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نعلن عن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل في "دولة إسرائيل". وإننا لنقرر أنه ابتداء من اللحظة التـي ينتهي فيها الانتداب الليلة؛ ليلة 6 مايو العبري عام 5708 حسب التقويم العبري، الموافق 15 مايو عام 1948 ميلاديّ، وإلى أن تقام سلطات الدولة المنتخبة والنظامية طبقا للدستور الذي يضعه المجلس التأسيسي المنتخب في موعد لا يتأخر عن مطلع أكتوبر عام 1948، يقوم مجلس الشعب مقام مجلس الدولة الموقت وتكون هيئته التنفيذية، أي مديرية الشعب، هي الحكومة الموقتة للدولة اليهودية التي تسمى إسرائيل".
وبالمناسبة، لم يصدر دستور لهذا الكيان منذ موعده المفترَ في أكتوبر 1948 حتى يومنا هذا. ويفسِّر الدكتور رائف زريق عدم إصدار دستور بأمرين؛ أولهما، معارضة القوى الدينية لإصدار قانون في ظل نجاح القوى العلمانية في إعلان قيام كيانهم، فرأت أنه ليس من الحكمة وضع دستور في مثل هذه الأوضاع، وهو ما "من شأنه أن يكون دستورا علمانيّا يكتفي بمراعاة القوانين الدينية"، وثانيهما، أن "قيام دولة إسرائيل لم يشكِّل نهاية المشروع الصهيوني، وإن كان حلقة مهمة في المشروع، ما دام هدفه تجميع أكثر ما يمكن من يهود العالم في فلسطين، استمرارا لفكرة لمّ الشتات ونفي المنفى. فإسرائيل دولة اليهود، كل اليهود؛ لا اليهود في إسرائيل فقط، بل في العالم كافة أيضا، (..) بالتالي، من غير المنطقي أن يجري وضع تصور لشكل الدولة ودستورها وتكبيل يد "مواطني الغد" بدستور لم يكونوا شركاء فيه".
ويفصِّل زريق الأمر الثاني بنباهة ملحوظة، إذ يرى أن "هذا الأمر يعني من حيث الدلالة السياسية أن مشروع إقامة الدولة هو مشروع مستمر أبدا. إذ إن الثورة لم تنتهِ ولم تحقق أهدافها بعد، والدولة لم تقم تماما ونهائيّا، وإنما مشروع إقامتها هو مشروع مستمر؛ سيكون هناك دائما لمّ شتات واستيعاب مهاجرين، وسيكون هناك دائما حاجة إلى بناء مستعمرات جديدة ومصادرة أراضٍ عربية جديدة، وكذلك إلى نفي الفلسطيني وإقصائه. وبالتالي، يمكن فهم ديناميكية العلاقة في إسرائيل بين السياسة والقانون باعتبارها ديناميكية بين جدل الثورة والدولة، بين فوضى القوة وقانونية الدولة، بين الطابع الإثني-الديني الذي أفصح عن نفسه في وثيقة إعلان الدولة وبين المبنى المؤسساتي-المدني الدولاني الذي يحوي بداخله غير اليهود وهو ملزم بالعمل لمصلحتهم. فالثورة تخاف من تسليم أوراقها إلى الدولة، والإثني يرفض أن يسلم رقبته تماما إلى الدولة المدنية التي تحوي داخلها غير اليهود، أي الفلسطينيين الباقين في وطنهم. ومن غير المعقول أن تحفر الثورة قبورها بأيديها بنقل مركز اتخاذ القرار من المؤسسات القومية اليهودية التي أقامت الدولة وأعلنت استقلالها إلى مؤسسات الدولة التي تحوي غير اليهود".
وفقا لتفسير زريق، فنحن أمام مشروع مستمر في التهجير والإجرام ما بقي عربي أو غير يهودي في نطاق المشروع الصهيوني الذي يمتد من النيل إلى الفرات.
بالعودة إلى مسار النكبة، نجد في الرابع والعشرين من يونيو 1948، أنه قد أصدرت الدولةُ الإجراميةُ مرسومَ المناطق المهجورة الذي يهدف إلى السيطرة على أملاك الفلسطينيين الذين طُردوا أو اضطروا إلى مغادرة بلداتهم بسبب الأعمال القتالية. يعرّف المرسوم المناطق المهجورة بأنها "كل منطقة أو مكان احتلته القوات المسلحة، أو استسلم لها، أو هجَرَه سكانه أو قسم من سكانه، وأُعلن عنه بموجب أمر أنه منطقة مهجورة".
بعد صدور المرسوم بأيام وتحديدا في نهاية يونيو 1948، قدَّم القسم العربي في جهاز مخابرات الكيان الجديد تقريرا بعنوان "هجرة عرب أرض إسرائيل في الفترة ما بين 1 ديسمبر 1947 و1 يونيو 1948". يعدّد التقرير البلدات والقرى الفلسطينية التي هُجّرت كليّا أو جزئيّا، كما يعترف بأن إفراغ البلدات والقرى من سكانها الفلسطينيين تم من خلال "الأعمال العدائية اليهودية المباشرة ضد المجتمعات العربية"، و"الحرب النفسية"، و"أوامر الإخلاء"، و"الخوف من انتقام اليهود"، وذلك وفقا للموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية.
وفي نهاية العام نفسه، بحلول 2 ديسمبر، أصدر الكيان "أنظمة الطوارئ بشأن أملاك الغائبين"، ويهدف التشريع إلى مصادرة ممتلكات جميع الفلسطينيّين الذين تركوا منازلهم خلال الحرب وإنْ عادوا. ومن المهم الانتباه إلى عدم التفات النظام إلى عودة الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم.
بعد عامين بالتمام والكمال من كلمة الإرهابي بن غوريون ليلة النكبة، بدأ السعي إلى "تقنين" مصادرة الممتلكات التي خلّفها اللاجئون الفلسطينيّون، الداخليّون والخارجيّون، ليحلّ قانون أملاك الغائبين (5710-1950) محل "أنظمة الطوارئ بشأن أملاك الغائبين لسنة 1948". وصِيغَ القانون بطريقة تؤدي إلى تعريف أيّ عربيّ غادر مقر إقامته -بصرف النظر عما إذا كان قد عاد أو لا في مرحلة لاحقة- في أثناء الحرب باعتباره "غائبا"، وبالتالي تُنقل أملاك الغائبين (المنقولة وغير المنقولة) بشكل آليّ إلى "حارس أملاك الغائبين "، الذي يُخوَّل -بدوره- ببيع هذه الأملاك إلى سلطة فريدة، "سلطة التطوير". وفي أغسطس صدر ما يُسمى "قانون سلطة التطوير" (نقل الملكية) الذي ينصّ على أن سلطة التطوير، وهي وكالة شبه حكوميّة، مخوّلة بيع الممتلكات للدولة والكيرن كييمت ليسرائيل (الصندوق القومي اليهودي)، وبالتالي ضمان السيطرة الكاملة والدائمة على الأرض العربيّة.
لم يتوقف مسار النكبة منذ أكثر من قرن، وخاصة منذ المؤتمر الصهيوني عام 1897، بتواطؤ ودعم دوليَّين لم يتوقف يوما، رغم كل بشائع هذا الاحتلال البغيض، ومع اقتراب الذكرى الثامنة والسبعين لتهجير وقتل الفلسطينيين، يبقى السؤال طَوال هذه العقود الثمانية: هل يمكن بعد هذا كله التعامل مع كيان لا يعرف سوى لغة الأمر الواقع؛ بلغة غير التي يفهمها؟!

