كشف طلب إحاطة قدمه النائب أمير أحمد الجزار، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ووزيرة التضامن الاجتماعي، عن حرمان قرى كاملة في مركز منوف بمحافظة المنوفية من ماكينات الصراف الآلي، بما يجبر أصحاب المعاشات والرواتب على قطع مسافات ودفع رسوم إضافية لصرف أموالهم.
يربط هذا الطلب أزمة الصراف الآلي في منوف بفشل حكومي أوسع في توفير الحد الأدنى من الخدمات المالية داخل القرى، إذ لا معنى لشعارات الشمول المالي بينما يقف كبار السن في طوابير مرهقة أو يدفعون من معاشاتهم المحدودة كلفة انتقال ورسوم سحب للحصول على حقوقهم.
قرى محرومة وخدمة مصرفية غائبة
أوضح طلب الإحاطة أن قرى مركز منوف تعاني نقصا شديدا في عدد ماكينات الصراف الآلي، وأن بعض القرى لا تمتلك ماكينة واحدة، وهو وضع يفرض على المواطنين الانتقال إلى المدن أو القرى المجاورة لصرف معاش أو راتب أو تحويل مالي، في مشهد يكشف خللا مباشرا في توزيع الخدمة المصرفية الأساسية.
وبسبب هذا الغياب، يتحول حق المواطن في الحصول على أمواله إلى عبء يومي متكرر، إذ لا يواجه الأهالي مشكلة مصرفية تقنية فقط، بل يواجهون كلفة انتقال وانتظار وتعطل مصالح، بينما تكتفي الحكومة بإعلانات الدمج المالي دون ضمان حد أدنى من البنية التي تجعل هذا الدمج قابلا للاستخدام.
وفي هذا السياق، يضع الباحث الاقتصادي محمد رمضان، المتخصص في قضايا اللامساواة والفقر والاقتصاد السياسي، هذا النوع من الخلل داخل إطار أوسع يتعلق بعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات، لأن الخدمة التي تصل إلى المدن ولا تصل إلى القرى لا تصنع شمولًا ماليا بل تعيد إنتاج التمييز المكاني بأدوات مصرفية.
لذلك، تبدو أزمة منوف أكثر من نقص ماكينة، إذ تكشف أن الدولة تلزم المواطنين بالدخول في قنوات مالية رقمية دون أن توفر القنوات نفسها بعدالة، وحين يصبح الصرف مشروطا بالانتقال لمسافات مرهقة، تتحول الخدمة من وسيلة تيسير إلى عبء إضافي على الفئات الأضعف.
المعاشات تحت ضغط الرسوم ومصاريف الانتقال
تتفاقم الأزمة مع كبار السن من أصحاب المعاشات، لأن هذه الفئة تعتمد غالبا على دخل ثابت ومحدود، وتحتاج إلى صرف شهري منتظم دون عناء بدني أو كلفة انتقال، بينما يفرض نقص الماكينات عليهم الخروج لمسافات طويلة والوقوف في طوابير أمام عدد محدود من نقاط الصرف.
ومع تكرار الزحام شهريا، لا تبقى المشكلة في المسافة وحدها، بل تمتد إلى استنزاف وقت وصحة كبار السن، إذ يؤدي التكدس أمام الماكينات إلى تعطيل مصالحهم وتعريضهم لمشقة لا تليق بفئة يفترض أن تكون في مقدمة أولويات الحماية الاجتماعية، لا في نهاية طابور الخدمات.
ويربط الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، المعروف بدفاعه عن حقوق أصحاب المعاشات والحقوق التأمينية، أزمة الرسوم بفكرة أوسع هي أن المعاشات أموال مستحقة لأصحابها وليست منحة حكومية، ومن ثم يصبح تحميل أصحابها رسوما إضافية عند السحب امتدادا لاختلال قديم في التعامل مع حقوقهم.
وعلى هذا الأساس، يصبح مطلب إعفاء أصحاب المعاشات من رسوم السحب النقدي إجراء عدالة لا منة إدارية، لأن رسوم السحب من ماكينة بنك آخر قد تبدو رقما محدودا، لكنها تتحول عند تكرارها إلى خصم من دخل ثابت لا يتحمل استقطاعات إضافية وسط موجة غلاء تضغط على الدواء والغذاء والمواصلات.
الشمول المالي بين الشعارات ونقاط الصرف البديلة
أشار طلب الإحاطة إلى أن استمرار القصور في البنية المصرفية داخل القرى يتعارض مع أهداف الدولة المعلنة بشأن دمج المواطنين في المنظومة المصرفية وتوسيع الخدمات المالية الرقمية، لأن الشمول المالي لا يتحقق بإصدار بطاقات فقط، بل بتوفير ماكينة قريبة وخدمة آمنة ورسوم عادلة.
وفي المقابل، يدفع غياب ماكينات الصراف الآلي بعض المواطنين إلى اللجوء لوسائل غير رسمية أو وسطاء للحصول على أموالهم، وهو مسار خطر يفتح باب الاستغلال أمام فئات بسيطة، خاصة حين يصبح المواطن مضطرا لأن يدفع أو يفوض غيره فقط كي يصل إلى حقه المالي الأساسي.
ويمنح طرح وائل جمال، مدير وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، زاوية مهمة لفهم الأزمة، لأن العدالة الاقتصادية لا تنفصل عن طريقة توزيع الخدمات العامة وشبه العامة، وحين تتحول التكنولوجيا المالية إلى خدمة مركزية في المدن فقط فإنها تزيد الفجوة بدل تقليلها.
ومن هنا، تأتي مطالب الجزار الخمسة باعتبارها اختبارا عمليا للحكومة، إذ دعا إلى التوسع الفوري في نشر ماكينات الصراف داخل قرى مركز منوف، ومنح أولوية للقرى المحرومة بالكامل، وإلزام البنوك بخطة زمنية واضحة لتغطية المناطق الريفية بالخدمات المصرفية الأساسية.
كما طالب طلب الإحاطة بدراسة إنشاء نقاط صرف بديلة داخل الوحدات المحلية ومكاتب البريد والوحدات الصحية لتخفيف الضغط على الماكينات، وهو مطلب يكشف أن الدولة تستطيع تخفيف الأزمة إذا تعاملت معها كحق خدمة لا كملف مصرفي مؤجل بين البنوك والوزارات.
كذلك، شدد الطلب على إعفاء أصحاب المعاشات من أي رسوم سحب نقدي، سواء من ماكينات البنوك أو من أي وسيلة صرف أخرى، وزيادة عدد الماكينات في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، لأن العدالة الجغرافية لا تتحقق بترك القرى تنتظر فائض الخدمة بعد المدن.
وفي النهاية، تكشف أزمة قرى منوف أن الحكومة لا تستطيع الجمع بين خطاب الشمول المالي وترك أصحاب المعاشات يقطعون المسافات ويدفعون الرسوم لصرف أموالهم، فالمطلوب ليس وعدا جديدا ولا حملة إعلامية، بل ماكينة قريبة وخطة ملزمة وإعفاء واضح يحمي كبار السن من دفع ثمن عجز إداري متكرر.

