كشف استهداف ميناء الفجيرة الإماراتي بضربة إيرانية خلال أول أمس عن هشاشة واحد من أهم منافذ النفط في الخليج، إذ أعاد الهجوم وضع الميناء الذي يتصل بخط حبشان الفجيرة في قلب معركة الطاقة، بعد موجة رفض عربية ورد إيراني قال إن الضربة جاءت ردا على انتهاكات أمريكية.

 

وأعاد الهجوم فتح ملف اعتماد الحكومات الخليجية على ترتيبات أمنية مكلفة لم تمنع وصول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى منشآت حساسة، بينما يدفع المواطنون وأسواق الطاقة ثمن سياسات جعلت الموانئ وخطوط الأنابيب جزءا من صراع إقليمي مفتوح، لا بنية اقتصادية محصنة ضد التصعيد.

 

الفجيرة رئة النفط خارج هرمز لكنها ليست حصنا آمنا

 

يمثل ميناء الفجيرة منفذا بالغ الأهمية للإمارات لأنه يقع على خليج عمان خارج مياه الخليج العربي، ويفتح طريقا مباشرا نحو المحيط الهندي، بما يمنح أبوظبي مسارا لتصدير الخام بعيدا عن مضيق هرمز الذي تمر عبره غالبية صادرات النفط الخليجية في أوقات الاستقرار والتوتر.

 

وبينما تمتلك السعودية ساحلا على البحر الأحمر يتيح لها منفذا آخر عبر خط الشرق الغرب، يتميز ميناء الفجيرة بقربه من حقول أبوظبي وباتصاله بخط حبشان الفجيرة، وهو ما يخفض كلفة النقل ويجعل الميناء خيارا عمليا لتقليل الارتهان لمضيق هرمز عند اشتداد الأزمات العسكرية.

 

لذلك، يرى خبير الطاقة روبن ميلز أن قيمة الفجيرة لا ترتبط فقط بموقعها الجغرافي، بل بوظيفتها كمنصة تصدير وتخزين وتزويد وقود للسفن، لأن الميناء صار عقدة تشغيلية في سوق الطاقة، وأي تعطيل فيه يربك صادرات الإمارات ويزيد حساسية الأسعار أمام كل ضربة جديدة.

 

غير أن الضربة الإيرانية أظهرت أن البديل الجغرافي لا يكفي وحده لحماية تدفق النفط، فالميناء الذي صمم لتجاوز ضيق هرمز أصبح هو نفسه هدفا مباشرا، وهذا التطور يضع الحكومات الخليجية أمام سؤال صعب عن جدوى إنفاق أمني ضخم لم يمنع انتقال الخطر إلى الممر البديل.

 

من حرب الناقلات إلى خط حبشان الفجيرة

 

افتتح ميناء الفجيرة عام 1983 خلال الحرب العراقية الإيرانية، وقبل تصاعد حرب الناقلات التي جعلت مضيق هرمز واحدا من أكثر الممرات البحرية حساسية، ومع تلغيم الحرس الثوري الإيراني للمضيق لاحقا، ارتفعت قيمة الميناء كمحطة انتظار وخدمة للسفن المتجهة إلى الخليج.

 

وبعد سنوات من التطوير البطيء، دخل الميناء مرحلة أكثر ارتباطا بالطاقة مع إنشاء أول مرافق نفطية عام 2003، ثم تعزز دوره عام 2012 بعد ربطه بخط أنابيب حبشان الفجيرة، وهو خط يبلغ طوله نحو 400 كيلومتر وينقل الخام من مناطق الإنتاج في أبوظبي إلى الساحل الشرقي.

 

وفي هذا الإطار، تشير خبيرة أسواق النفط أمينة بكر إلى أن خطوط الأنابيب البديلة عن هرمز لا تمنح الدول المنتجة استقلالا كاملا، لأنها تحتاج إلى موانئ تحميل آمنة ومرافق تخزين وتشغيل مستقرة، ولذلك فإن ضرب نقطة النهاية في الفجيرة قد يعطل المسار حتى لو بقي الخط نفسه قائما.

 

ومن ثم، يصبح استهداف الفجيرة ضربة سياسية واقتصادية في وقت واحد، لأنه يطعن في فكرة أن الإمارات تمتلك مخرجا آمنا بالكامل خارج هرمز، ويكشف أن الصراع لا يدور على المضيق وحده، بل على كل بنية تسمح للنفط الخليجي بالوصول إلى الأسواق بعيدا عن الضغط الإيراني.

 

قدرات ضخمة تحت القصف وتكلفة تدفعها المنطقة

 

توضح البيانات المتداولة عن الميناء أنه يستطيع استيعاب جزء كبير من الإنتاج الإماراتي، مع قدرة تقدر بنحو 2 مليون برميل يوميا، وتملك مرافقه أوناشا قادرة على تحميل 6 آلاف طن في الساعة، إضافة إلى مخازن تقدر بنحو 14 مليون برميل وفق أرقام منشورة عن بنيته التشغيلية.

 

كما يرتبط الميناء بخط حبشان الفجيرة الممتد لمسافة 400 كيلومتر، وبأنبوب قطره 48 بوصة، ينقل الخام من حقل حبشان الذي يرتبط أيضا بإنتاج الغاز الطبيعي، بينما يضم الميناء حوضا لرسو ناقلات النفط بطول 800 متر وعمق 6 أمتار وحوضا آخر لصيانة السفن المعطلة.

 

وعلى صعيد السوق، يوضح الباحث جيم كرين المتخصص في سياسات الطاقة بالخليج أن مراكز التصدير والتخزين لا تعمل بمعزل عن الأمن الإقليمي، لأن كل منشأة نفطية كبرى في الخليج تحمل قيمة سياسية، وحين تضرب إيران الفجيرة فإنها تضغط على الإمارات وعلى المستهلكين العالميين في وقت واحد.

 

ولم يبدأ تهديد الفجيرة مع الضربة الأخيرة، إذ تعرضت المنطقة عام 2019 لتفجيرات طالت 4 سفن، بينها سفينة تحمل علم الإمارات، وسط اتهامات طالت إيران أو جماعة أنصار الله الحوثية، ثم عاد الميناء خلال حرب 2026 إلى مرمى الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ.

 

وبحسب تقارير عن التصعيد الأخير، استهدفت إيران ميناء الفجيرة 4 مرات بالطائرات المسيرة خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، ما أدى إلى اشتعال بعض السفن وتعطيل العمل، ثم جاءت الضربة الصاروخية الأخيرة خلال الهدنة لتؤكد أن وقف النار المعلن لا يحمي البنية النفطية من الحسابات العسكرية.

 

لهذا، تكشف أزمة الفجيرة أن الحكومات الخليجية دفعت مليارات لبناء منافذ بديلة عن هرمز، لكنها تركت أمن الطاقة رهينة صراع مفتوح مع إيران وغطاء أمريكي مرتبك، وعندما يصل القصف إلى الميناء البديل فإن الرسالة تتجاوز الإمارات إلى كل دولة بنت اقتصادها على افتراض أن النفط سيظل آمنا.

 

وفي النهاية، لا تبدو الفجيرة مجرد ميناء تعرض لضربة عابرة، بل تبدو عنوانا لفشل أوسع في تحويل الثروة النفطية إلى أمن مستقر، فالممر الذي قدمته الإمارات كحل لتجاوز هرمز صار جزءا من بنك أهداف الحرب، بينما تواصل الحكومات العربية إدارة الأزمة بالبيانات بدل حماية مصالح شعوبها وأسواقها.