تدخل منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2023 مرحلة هي الأكثر اضطراباً في تاريخها الحديث، مع تصاعد موجات من الصراعات العسكرية الممتدة التي لم تترك تداعياتها داخل حدود الدول المتحاربة فحسب، بل امتدت لتعيد تشكيل موازين الاقتصاد الإقليمي، وتضغط على البنية السياسية للدول، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل المنطقة وما إذا كانت تتجه نحو تفكك تدريجي أو إعادة صياغة قسرية لمعادلاتها التقليدية.
تشير تقديرات أممية إلى أن كلفة الصراعات الجارية في الشرق الأوسط تقترب من نحو مليار دولار يومياً، وهو رقم يعكس حجم النزيف الاقتصادي المتواصل، ويكشف عن انهيار متسارع في القدرة الإنتاجية والتجارية للدول المتأثرة، وسط تحذيرات متزايدة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية للمنطقة خلال السنوات المقبلة.
في هذا السياق، يؤكد وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي أن أي محاولة لإنقاذ الشرق الأوسط من دوامة الانهيار الحالية تتطلب خطة إعادة إعمار شاملة تمتد لعقود وتستند إلى استثمارات بمئات المليارات، مع تنسيق إقليمي ودولي واسع، مشيراً إلى أن استمرار الصراعات يعني استنزافاً دائماً للموارد وتآكلاً تدريجياً في قدرة الدول على التعافي، ما يجعل السلام خياراً إلزامياً وليس ترفاً سياسياً.
وعلى مستوى الخسائر البشرية والاقتصادية، تكشف البيانات حجم الكارثة الممتدة عبر عدة ساحات. ففي قطاع غزة، تشير التقديرات إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، إضافة إلى إصابة ما يزيد على 172 ألفاً، مع تدمير أو تضرر ما بين 80 و90 في المئة من المباني، وهو ما أدى إلى انهيار شبه كامل في النشاط الاقتصادي، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 83 و87 في المئة خلال عامي 2023 و2024، بينما تراجع نصيب الفرد إلى نحو 161 دولاراً فقط، في أحد أدنى المستويات عالمياً.
وفي السودان، التي اندلعت فيها الحرب في أبريل 2023، تتحدث التقديرات عن نحو 150 ألف شهيد، ونزوح ما بين 12 و14 مليون شخص، إضافة إلى تأثر أكثر من 30 مليون إنسان بأزمة غذائية حادة.
واقتصادياً، تشير البيانات إلى انكماش الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 32 و42 في المئة مقارنة بعام 2022، مع خسائر تجاوزت 26 مليار دولار في بداية 2025، وتراجع قطاعات الإنتاج بأكثر من 50 في المئة.
أما في سوريا، فقد هبط الناتج المحلي من نحو 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى حوالي 21.4 مليار دولار في 2024، مع تراجع يتجاوز 53 في المئة خلال سنوات الحرب، بينما يواصل اليمن الانكماش الاقتصادي الحاد مع انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 58 في المئة منذ 2015، وسط توقعات بانكماش إضافي مع استمرار القيود على صادرات النفط.
وفي ليبيا، تجاوزت الخسائر التراكمية للنزاع منذ 2011 نحو 576 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 1 تريليون دولار إذا استمر عدم الاستقرار حتى 2025، ما يعكس حجم الفراغ السياسي وتعطل المؤسسات وانهيار الاستثمار طويل الأجل.
هذه الصراعات لم تبقَ داخل حدود الدول، بل امتدت إلى الإقليم بأكمله، حيث تستضيف مصر وحدها نحو 9 ملايين لاجئ ومهاجر، بينهم أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ 2023، إضافة إلى ما بين 140 ألفاً و147 ألف سوري.
وفي أحد أكثر المؤشرات حساسية، تراجعت إيرادات قناة السويس من 10.3 مليار دولار في 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار في 2024، بخسائر سنوية تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار، وخسائر تراكمية تتجاوز 9 مليارات دولار خلال عامين، مع انخفاض حركة الملاحة بنسبة وصلت إلى 64 في المئة في بعض الفترات، نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وتحول مسارات الشحن إلى طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة تكلفة النقل عالمياً ورفع الضغوط التضخمية.
وعلى المستوى العالمي، انعكست هذه الاضطرابات على أسواق الطاقة، حيث تجاوز سعر خام برنت مستويات بين 80 و83 دولاراً للبرميل خلال فترات التصعيد، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل في الاقتصاد العالمي بأكمله، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة.
أما على الصعيد الإنساني، فإن أكثر من 58 مليون شخص في الشرق الأوسط يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، في وقت تعاني فيه خطط الإغاثة من نقص حاد في التمويل، إذ لم يتم تمويل خطة اليمن لعام 2025 إلا بنسبة 19 في المئة، ما يفاقم الأزمات المعيشية ويزيد من معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية.
وتتجاوز تداعيات الصراع البعد الاقتصادي إلى أبعاد بيئية واجتماعية طويلة الأمد، تشمل تدهور الأراضي الزراعية في السودان واليمن، وتسربات نفطية في ليبيا، وتفكك النسيج الاجتماعي وارتفاع معدلات البطالة، ما يعقد أي مسار محتمل للتعافي، إذ لم تعد إعادة الإعمار مجرد عملية إعادة بناء للبنية التحتية، بل أصبحت مشروعاً لإعادة تشكيل الإنسان والدولة في آن واحد.
وفي تطور لافت، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن منطقة الشرق الأوسط تكبدت خسائر اقتصادية بلغت نحو 186 مليار دولار خلال شهر واحد فقط من التصعيد العسكري المرتبط بالحرب، أي ما يعادل نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، مع خسائر قدرت بنحو 168 مليار دولار لدول الخليج وحدها، و30 مليار دولار لدول الشام، وسط توقعات بتجاوز الخسائر 190 مليار دولار إذا استمر التصعيد.
كما أدت الحرب إلى اضطراب حاد في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز عالمياً، مع تراجع حركة الملاحة بنسبة 95 في المئة وفق بيانات منصات تتبع الشحن، ما زاد من هشاشة أسواق الطاقة العالمية ورفع احتمالات حدوث صدمات اقتصادية ممتدة.
وفي قطاع السياحة، تشير تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر إلى خسائر يومية تصل إلى نحو 600 مليون دولار، نتيجة إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية في عدة دول، وتراجع الحجوزات الفندقية، بما في ذلك إلغاء أكثر من 80 ألف حجز في دبي خلال أسبوع واحد، إلى جانب بقاء نحو 4 ملايين مسافر عالقين خلال أيام التوتر، ما يعكس هشاشة قطاع يعتمد على الاستقرار الإقليمي بشكل مباشر.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ امتدت إلى قطاع التكنولوجيا العالمي، حيث تسببت الاضطرابات في أزمة بسلاسل إمداد الرقائق الإلكترونية ولوحات الدوائر المطبوعة، مع ارتفاع أسعار بعض المكونات بنسبة وصلت إلى 40 في المئة، وزيادة أسعار رقائق النحاس بنسبة 30 في المئة، إلى جانب تمدد فترات التوريد من 3 أسابيع إلى 15 أسبوعاً، ما يعكس انتقال الأزمة من مستوى الطاقة والنقل إلى قلب الاقتصاد الرقمي العالمي.
وتكشف هذه التطورات أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع تقليدية، بل أصبح مركز تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه قابلاً للتحول إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.

