أعلنت الحكومة المصرية في مايو 2026 تحضير 10 شركات من قطاع البترول للقيد في البورصة ضمن خطة أوسع لطرح نحو 30 شركة حكومية في السوق المالي، وربطت رئاسة الوزراء القرار بتوسيع قاعدة الملكية وزيادة مشاركة القطاع الخاص، بينما يكشف توقيت الإعلان اقتراب المراجعة السابعة مع صندوق النقد الدولي وضغط ملف التخارج من الأصول على أجندة الحكومة.

 

وأوضح بيان رئاسة الوزراء أن اجتماع المجموعة الوزارية الاقتصادية برئاسة مصطفى مدبولي ناقش استعدادات المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، كما عرض موقف تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، لذلك لم يأت إعلان شركات البترول منفصلا عن شروط التمويل، بل جاء كرسالة مباشرة بأن الحكومة تتحرك في ملف طال تأجيله أمام صندوق النقد والمستثمرين.

 

الطروحات تتحول من وعد إصلاحي إلى شرط تمويلي

 

لفت هاشم السيد الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة إلى أن المسار استهدف قيد نحو 20 شركة تابعة للشركات القابضة بوزارة قطاع الأعمال سابقا، وأن 12 شركة دخلت البورصة بالفعل، بينما يجري تجهيز 8 شركات أخرى، وهذا التسلسل يضع شركات البترول داخل موجة منظمة لا داخل قرار اقتصادي عابر.

 

وفي ظل هذا التسلسل، تظهر شركات البترول بوصفها الجزء الأكثر حساسية في الخطة، لأن القطاع يرتبط بالإيرادات الدولارية والطاقة والدعم والمديونيات المتراكمة، كما أن صندوق النقد طالب في تقاريره بتقوية الرقابة على كيانات خارج الموازنة مثل الهيئة المصرية العامة للبترول، وبذلك يتحول القيد في البورصة إلى مدخل للرقابة والبيع معا. كما يرى مدحت نافع المستشار السابق لرئيس الوزراء أن الخروج الحكومي السريع قد يفتح باب بيع أصول عامة بأسعار منخفضة إذا جرى تحت ضغط زمني، وهو رأي يضع القرار في منطقة الخطر، لأن الدولة التي تعاني احتياجا للسيولة قد تقبل تقييما أقل من القيمة الحقيقية مقابل تمرير مراجعة أو جذب تدفقات عاجلة.

 

شركات البترول بين الشفافية المطلوبة ومخاطر البيع تحت الضغط

 

وأكدت الحكومة أن الهدف الرسمي من القيد هو تحسين الحوكمة والأداء وليس البيع الفوري، لكن التجربة المصرية مع برنامج الطروحات تجعل هذا التفسير ناقصا، لأن القيد غالبا يمهد لبيع حصص لاحقة أو إدخال مستثمرين استراتيجيين، خصوصا عندما يتزامن الإعلان مع دراسات تقييم مالي لمشروعات مقرر طرحها قبل نهاية العام المالي الجاري.

 

ويرى مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي أن القيد في البورصة قد يكون أفضل من بيع الشركة لمستثمر واحد، لأنه يتيح مشاركة مستثمرين مصريين وعرب وأجانب ويحمي الأصل من سيطرة طرف منفرد، لكن هذا الرأي يشترط وجود سوق عادلة وتقييم شفاف، وإلا تصبح البورصة غطاء شكليا لبيع منظم لا يعرف المواطن تفاصيله.

 

وفي موازاة هذا الرأي، تبقى المشكلة الأساسية في غياب قائمة معلنة بأسماء شركات البترول المرشحة للقيد، وغياب نسب الطرح المتوقعة، وغياب طريقة استخدام الحصيلة، لأن المواطن لا يرى سوى أرقام كبيرة عن الشركات المطروحة، بينما لا يعرف هل ستذهب الأموال إلى خفض الدين أم سد عجز الموازنة أم تمويل إنفاق جديد.

 

تقليص ملكية الدولة والحكومة تدعي تحفيز القطاع الخاص

 

ويبين تقرير صندوق النقد الصادر في فبراير 2026 أن الحكومة تعهدت بتحديث وثيقة ملكية الدولة بحلول مارس 2026، وتحديد شركات مملوكة للدولة للتخارج، وتوليد حصيلة بنحو 1.5 مليار دولار حتى نهاية البرنامج، وهو ما يجعل إعلان مايو حلقة في جدول التزامات لا مجرد اجتهاد محلي لتحسين البورصة.

 

وأشار صندوق النقد في تقارير سابقة إلى أن تقدم مصر في الإصلاحات الهيكلية كان مختلطا، وأن هيمنة القطاع العام والشركات المملوكة للدولة ظلت تعوق المنافسة والقطاع الخاص، كما توقع ارتفاع الدين الخارجي من 162.7 مليار دولار في 2024 و2025 إلى 202 مليار دولار في 2029 و2030، ولذلك يضغط الصندوق لتقليص ملكية الدولة قبل ضخ شرائح جديدة. ويؤكد محمد أبو باشا الخبير الاقتصادي أن نجاح الطروحات يحتاج آلية تقييم شفافة وواضحة أمام الرأي العام وسليمة قانونيا، وهذا الشرط يضرب قلب الأزمة الحالية، لأن الحكومة تعلن أرقاما عن عدد الشركات ولا تنشر بيانات كافية عن القيم العادلة والديون والالتزامات والعقود وحقوق العمال قبل نقل الملكية إلى السوق.

 

وفي ظل هذه الصورة، لا تكفي عبارة تمكين القطاع الخاص لتبرير بيع أصول بترولية أو قيدها، لأن القطاع الخاص لا يصبح شريكا حقيقيا إلا إذا حصل على فرصة عادلة في اقتصاد منظم، أما إذا جرى التخارج فقط لتوفير الدولار وإرضاء الدائنين، فإن النتيجة تكون نقل ملكية عامة إلى مستثمرين دون إصلاح جذري في الإدارة والرقابة.

 

واخيرا تبقى الخلاصة أن قرار تحضير 10 شركات بترولية للقيد في البورصة يضع الحكومة أمام اختبار علني، فإما أن تنشر أسماء الشركات وتقييماتها وخطة استخدام الحصيلة وتحمي المال العام والعمال، وإما أن يتحول برنامج الطروحات إلى بيع جديد لأصول الدولة تحت ضغط الدين وصندوق النقد وعجز السياسات عن بناء اقتصاد منتج.