فرضت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية  رسما جديدا على صادرات الأسمدة الأزوتية بجميع أنواعها بقيمة 90 دولارا للطن لمدة 3 أشهر، بالتزامن مع رفع أسعار الغاز الصناعي في مايو، لتفتح الحكومة بابا جديدا لتحصيل الإيرادات من قطاع ترتبط كلفته مباشرة بالغذاء والزراعة والتصدير.

 

وحولت الحكومة أزمة الطاقة والأسعار العالمية إلى عبء داخلي موزع بين المصنع والفلاح والمستهلك، لأن رفع الغاز يضغط على تكلفة الإنتاج، ورسوم التصدير تستهدف اقتطاع جزء من مكاسب الشركات، بينما يبقى السوق المحلي معرضا لارتفاعات الأسمدة والغذاء في ظل رقابة لا تمنع تكرار الأزمات.

 

قرار تصدير الأسمدة يقتطع من مكاسب الشركات ولا يحمي الفلاح مباشرة

 

بدأ القرار بفرض رسم صادر على الأسمدة الأزوتية بقيمة 90 دولارا للطن، أو ما يعادلها بالجنيه المصري وفق سعر الصرف المعلن من البنك المركزي وقت السداد، على أن يستمر تطبيقه لمدة 3 أشهر من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية.

 

وبحسب القرار رقم 190 لسنة 2026، جاءت الخطوة بعد موافقة مجلس الوزراء في جلسة 22 أبريل 2026، ما يعني أن الحكومة اختارت التدخل المالي في لحظة ارتفاع أرباح التصدير، لكنها لم تعلن آلية واضحة تضمن وصول أثر القرار إلى الفلاح أو السوق المحلي.

 

لذلك يظهر القرار كإجراء لتحصيل مورد سريع من صادرات رابحة، وليس كخطة مكتملة لضبط سوق الأسمدة، لأن الأزمة المحلية لا تتوقف عند التصدير وحده، بل تمتد إلى توزيع الحصص المدعمة والسوق الحرة وتفاوت الأسعار بين الجمعيات الزراعية والتجار.

 

في هذا المحور يخدم رأي أحمد هجرس، رئيس شركة أجريتريد، تفسير خلفية القرار التصديرية، إذ قال إن أسعار اليوريا قفزت من نحو 480 دولارا للطن إلى ما بين 890 و900 دولار، بما منح صادرات الأسمدة المصرية مكاسب كبيرة في ظرف عالمي مضطرب.

 

وعلى هذا الأساس تكشف تصريحات هجرس أن الحكومة دخلت على موجة الربح بعد حدوثها، لكنها لم تقدم إجابة مباشرة عن سؤال الفلاح، لأن ارتفاع سعر التصدير قد يدفع الشركات لتفضيل الخارج إذا لم تفرض الدولة توريدا محليا فعليا بسعر عادل وكميات مستقرة.

 

رفع الغاز الصناعي ينقل فاتورة الطاقة إلى المصانع والأسعار

 

سبق قرار رسوم الأسمدة بيوم واحد رفع أسعار الغاز الطبيعي لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتبارا من مايو، حيث رفعت الحكومة السعر بنحو دولارين في المتوسط، ليصل إلى 14 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لمصانع الأسمنت.

 

كما حدد القرار سعر الغاز عند 7.75 دولار لقطاعات الحديد والصلب والأسمدة غير النيتروجينية والبتروكيماويات، بينما تراوح السعر بين 6.50 و6.75 دولار للأنشطة الصناعية الأخرى ومصانع البتروكيماويات المنتجة لخليط الإيثان والبروبان.

 

غير أن القرار استثنى المستهلكين الذين تتم محاسبتهم وفق معادلات سعرية مدرجة في عقود توريد الغاز الطبيعي، حيث تستمر محاسبتهم بالمعادلات الواردة في العقود، وهو استثناء يكشف أن عبء الزيادة لن يتوزع بالتساوي بين كل اللاعبين الصناعيين.

 

هنا يدعم رأي الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، محور تكلفة الطاقة، إذ حذر في تصريحات اقتصادية منشورة من أن أي زيادة في أسعار الطاقة للكهرباء أو الغاز تملك أثرا تضخميا مباشرا على الأسعار، لأن المنتج ينقل التكلفة إلى سلسلة البيع تدريجيا.

 

ومن ثم لا تقف الزيادة عند حدود دفاتر المصانع، لأن قطاعات الأسمنت والحديد والبتروكيماويات والأسمدة تدخل في البناء والزراعة والتعبئة والنقل، وكل زيادة في مدخلات الطاقة تتحول لاحقا إلى كلفة أوسع يدفعها المستهلك في السلع والخدمات.

 

أزمة الأسمدة تضغط على الزراعة وتضع الغذاء أمام موجة غلاء جديدة

 

تزامنت قرارات الحكومة مع ارتفاعات سابقة في سوق الأسمدة الحرة، حيث سجلت تقارير حديثة قفزات في أسعار الطن من نحو 22 ألف جنيه خلال فبراير ومارس إلى نحو 28 ألف جنيه في أبريل، بما وضع الموسم الصيفي أمام تكلفة أعلى على الفلاح.

 

وبسبب هذا الارتفاع، لم تعد أزمة الأسمدة مجرد ملف صناعي أو تجاري، لأن السماد يدخل مباشرة في تكلفة زراعة الخضروات والحبوب والمحاصيل، وأي نقص في المعروض أو صعود في السعر يضغط على الإنتاج ثم يظهر أثره في الأسواق الشعبية ومحال التجزئة.

 

في هذا الموضع يخدم رأي حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، محور أثر القرار على الزراعة، إذ حذر من اقتراب أسعار الأسمدة من مستويات قياسية، وأشار إلى أن السوق الحرة وصلت إلى نحو 28 ألف جنيه للطن وسط قلق متزايد قبل الموسم الصيفي.

 

وبذلك يدعم كلام أبو صدام نقطة محددة داخل التقرير، وهي أن الرسوم ورفع الغاز لا يمكن قراءتهما بعيدا عن الفلاح، لأن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الحرة تدفع المزارع الصغير إلى تقليل الكميات أو تحميل التكلفة على سعر المحصول.

 

فضلا عن ذلك تكشف أزمة التوزيع أن الحكومة تلاحق النتيجة بعد تفاقمها، فالشركات تزيد الصادرات عندما ترتفع الأسعار العالمية، والفلاح يطارد السماد في السوق، ثم تتدخل الدولة برسوم مؤقتة لا تكفي وحدها لضمان حصة مستقرة بسعر معلوم.

 

وفي النهاية تضع هذه القرارات الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين أمام معادلة قاسية، فالحكومة ترفع تكلفة الطاقة على الصناعة، وتفرض رسوما على صادرات الأسمدة، وتترك الفلاح بين السوق الحرة والجمعيات، بينما تنتقل الفاتورة من المصنع إلى الأرض ثم إلى موائد المواطنين.

 

وتؤكد الوقائع أن إدارة الملف لا تحتاج قرارا مؤقتا لمدة 3 أشهر فقط، بل تحتاج شفافية في عقود الغاز وحصص التوريد وسعر السماد المدعم والرقابة على السوق الحرة، لأن الأمن الغذائي لا يصان بجباية متأخرة ولا بتصريحات عن ضبط السوق.