كشفت كراسة شروط طرح وحدات سكن لكل المصريين بالشراكة مع المطورين العقاريين في مايو 2026 عن تسعير مرن ومتغير يربط سعر الوحدة النهائي بارتفاع الحديد والأسمنت، بما يسمح بزيادة تصل إلى 10% فوق السعر الأساسي، ويفتح بابا جديدا للضغط على محدودي الدخل.

 

تضع هذه الآلية المواطن أمام معادلة قاسية، لأن الحكومة تعرض المشروع باسم الإسكان الاجتماعي ثم تنقل مخاطر السوق إلى الأسر نفسها، بينما يحصل المطور العقاري على شراكة مضمونة، ويحصل البنك على تمويل طويل، ويبقى محدود الدخل مطالبا بمقدم كبير ينافس أسعار الوحدات السكنية في شركات القطاع الخاص وقسط ممتد إلى نحو 20 عامًا.

 

تسعير متغير يحول محدود الدخل إلى متحمل لمخاطر أسعار مواد البناء

 

بداية تنص كراسة الشروط على زيادة سعر الوحدة بنسبة 2% مقابل كل ارتفاع في أسعار الحديد والأسمنت بنسبة 10% مقارنة بأسعار أول قرار وزاري، مع سقف زيادة يبلغ 10% إذا ارتفعت مواد البناء بنسبة 50%، وهو بند يغير معنى السعر المعلن.

 

ثم يصبح السعر الأساسي مجرد رقم ابتدائي لا ضمانة نهائية، لأن المواطن الذي يدخل الحجز على أساس قدرة مالية محددة قد يجد نفسه أمام زيادة لاحقة لا يملك التحكم في أسبابها، بينما ترتبط الزيادة بسوق مواد بناء يتحرك خارج دخله وخارج استقرار أسرته.

 

لذلك يرى الباحث العمراني يحيى شوكت، في كتاباته عن سياسة الإسكان، أن عدالة السكن تبدأ بتعريف حقيقي للفئات الأفقر وبأدوات حماية لا تدفع الفقراء إلى قروض طويلة، وهو طرح يكشف تناقض سياسة تجعل محدود الدخل مشتركا في مخاطر السوق.

 

وعلى هذا الأساس تبدو الشراكة مع القطاع الخاص انحيازا واضحا لمنطق الربح، لأن المطور يحصل على آلية تعويض عند ارتفاع التكلفة، بينما لا يحصل المواطن على حماية مقابلة إذا ارتفعت أسعار الغذاء والمواصلات والعلاج أو تراجع دخله الحقيقي أمام التضخم.

 

في المقابل تروج الحكومة للطرح باعتباره توسعا في فرص التملك وتحسينا لجودة الوحدات، غير أن ربط الأسعار بالحديد والأسمنت يحول الإسكان الاجتماعي من حق مدعوم إلى عقد مفتوح على زيادات محسوبة لصالح جهة التنفيذ لا لصالح الأسرة المستهدفة.

 

مقدمات مرتفعة وتمويل عقاري يمدد العبء إلى 20 عاما

 

لاحقا تحدد الكراسة الحد الأقصى لسعر الوحدة بنحو 1 مليون و250 ألف جنيه للوحدة دون مصعد، ونحو 1 مليون و350 ألف جنيه للوحدة المزودة بمصعد، مع إضافة 5% للصيانة لا ترد ولا تسترد، وهو رقم يضع المشروع خارج قدرة شرائح واسعة.

 

بعد ذلك تلزم الشروط المواطن بسداد مقدم يبدأ من 30% من سعر الوحدة، وقد يصل إلى 50% وفقا للدراسة الائتمانية، بما يشمل جدية الحجز والدفعات ربع السنوية، ثم ينتقل الباقي إلى تمويل عقاري بفائدة متناقصة تبلغ 8% لمدة تصل إلى 20 عاما.

 

في هذا السياق تطرح الباحثة الاقتصادية سلمى حسين زاوية العدالة الاجتماعية في التمويل العام، إذ تربط سياسات الدعم الحقيقي بقدرة المواطن على الوصول للخدمة لا بمجرد إتاحتها في إعلان رسمي، وهو ما يجعل عبء المقدم معيارا حاسما لا تفصيلا إداريا.

 

وبناء عليه لا يكفي أن تقول الحكومة إن الفائدة 8% متناقصة، لأن الأسرة التي لا تملك 30% أو 50% من ثمن الوحدة لن تصل أصلا إلى باب التمويل، بينما ستظل خارج مبادرة سكن لكل المصريين رغم أنها هي الفئة التي يفترض أن تحمل المبادرة اسمها.

 

كما يفاقم نظام الدفعات ربع السنوية الأزمة خلال فترة التنفيذ، لأن المواطن يدفع قبل التسليم بينما يواصل دفع إيجاره الحالي ونفقات أسرته اليومية، وبذلك يتحول انتظار الوحدة إلى ضغط مزدوج، لا إلى مرحلة انتقال آمنة نحو الاستقرار السكني.

 

الشراكة مع المطورين تهدد بتحويل الإسكان الاجتماعي إلى سلعة

 

في المرحلة التالية يوقع العميل عقدا ثلاثيا مع المطور العقاري وجهة التمويل، وهو ترتيب يمنح القطاع الخاص والبنوك دورا مركزيا في مشروع يحمل صفة اجتماعية، بينما تتراجع الدولة من دور الضامن المباشر للسكن إلى منسق بين المواطن والسوق.

 

غير أن هذا التحول يطرح سؤال الجدوى الاجتماعية، لأن المشروع الذي يطلب من محدود الدخل مقدمات مرتفعة وسدادا طويلا وسعرا قابلا للزيادة لا يمكن تقييمه بعدد الوحدات فقط، بل يجب قياسه بعدد الأسر التي تستطيع الدخول دون استدانة مرهقة.

 

ومن زاوية اقتصادية أوسع ينتقد الباحث عبد الخالق فاروق سياسات تحميل المواطنين كلفة اختلالات الإدارة العامة، ويرى أن الدولة الغنية بمواردها لا يجوز أن تترك الفئات الأضعف أمام منطق السوق وحده، وهو موقف يفضح جوهر الطرح الجديد.

 

كذلك تكشف نسبة الصيانة البالغة 5% عن عبء إضافي غير قابل للاسترداد، لأن المواطن يدفعها فوق السعر الأساسي، وقد يضمها إلى التمويل العقاري فتتحول إلى أصل جديد للفائدة، بينما لا يظهر ضمان واضح يربط هذه الأموال بجودة الصيانة الفعلية.

 

ومن ثم لا تبدو المشكلة في وجود تمويل عقاري من حيث المبدأ، بل في تحويله إلى المسار شبه الوحيد للحصول على الوحدة، لأن الأسر محدودة الدخل تحتاج دعما مباشرا وسعرا نهائيا واضحا ومقدمات منخفضة لا نظاما يتعامل معها كعميل مصرفي طويل الأجل.

 

ختاما يكشف طرح سكن لكل المصريين الجديد أن الحكومة توسع عنوان الإسكان الاجتماعي بينما تضيق شروط الوصول إليه، فإذا بقي السعر قابلا للزيادة والمقدم قابلا للصعود والتمويل ممتدا لعقدين، فإن الوحدة لن تكون حلا لأزمة السكن بل دينا جديدا باسم محدودي الدخل.