وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

لا يفرّق عاقلٌ ذو ضمير أخلاقي بين من يلقى حتفه برصاص العدو الواحد، في هذه المساحة العربية المُحتلة في بلد ما، وتلك المساحة في بلد عربي آخر، لكن الإعلام العربي في معظمه يمارس تلك التفرقة المُشينة، فيقول "مقتل في لبنان" و"استشهاد في فلسطين" على الرغم من أنّ القاتل واحد، وأسباب القتل واحدة هنا وهناك.

 

باستثناءاتٍ شحيحةٍ كادت أن تصبح منعدمة، تتناول الفضائيات العربية ضحايا القصف الصهيوني من اللبنانيين بعبارات من نوعية "مقتل خمسة مواطنين في غارة إسرائيلية"، على الرغم من أنّ بيانات وزارة الصحة اللبنانية تُسميهم شهداء، ثم تتناول الفضائيات نفسها ضحايا الغارات الإسرائيلية في غزّة والأراضي الفلسطينية المُحتلة بوصفهم شهداء. فهل، بحسب هذا المنطق المُختل، العمليات العسكرية الصهيونية في لبنان مشروعة، بينما في فلسطين غير مشروعة؟

 

بدأ العدوان الصهيوني المُتواصل على لبنان منذ قرّرت المقاومة اللبنانية الاستجابة لنداء المقاومة الفلسطينية في غزّة لخوض غمار "حرب الإسناد" بمواجهة العدو التاريخي والوحيد لكلّ الشعوب العربية، وهي الاستجابة التي جسّدت المعاني الحقيقية لقيم أخلاقية وإنسانية وروابط تاريخية وقومية، ومثّلت النموذج العملي لفكرة الواجب، واجب الشقيق تجاه الشقيق حين يعتدى عليه، وواجب الانتماء لقضية وجودية واحدة، من المفترض أن تجتمع حولها الأمّة كلّها.

 

الحرب العدوانية للتحالف الأميركي الإسرائيلي على إيران ولبنان هي في وجه من الوجوه، بل بكلّ الوجوه، تأتي استكمالًا لجردة الحسابات الانتقامية من محور "طوفان الأقصى" الذي بدأ فلسطينيًا، وانحازت له ودعمته جماعات المقاومة العربية في لبنان واليمن والعراق، ومعها إيران، بدرجاتٍ قد تتفاوت في حجم الاشتباك، لكنها تتحّد في المعنى، لتتحوّل المعركة إلى ملحمة مقاومة مُتعدّدة الجبهات لاحتلال يبتلع فلسطين ويحلم بقضم المزيد من جغرافية دول عربية أخرى. وبالتالي، وبالبداهة، كلّ من يلقى حتفه في جبهات رفض الاحتلال هو شهيد معركة محترمة، من دون تفرقةٍ على أساس الطائفة أو الجنسية.

 

تتجسّد هذه الازدواجية المقيتة في حالتين تتشابهان حدّ التطابق، حالة الشهيدة شيرين أبو عاقلة صحافية قناة الجزيرة في فلسطين المُحتلة التي قُتلت برصاص جندي صهيوني على أبواب مخيّم جنين في مايو 2022، ثم حالة الشهيدة آمال خليل صحافية صحيفة الأخبار اللبنانية في الجنوب اللبناني المُحتل، والتي طاردها طيران الاحتلال الصهيوني داخل المبنى الذي لاذت إليه من القصف حتى لفظت أنفاسها في بلدة الطيري الشهر الماضي (إبريل).

 

في حالة الشهيدة شيرين أبو عاقلة احتشدت وسائل الإعلام العربية بكلّ أدوات التغطية الموسّعة، ولم تتوقّف عن حملات الإدانة والاستنكار والوقفات الصامتة وغير الصامتة عدّة أيام، أمّا في حالة الشهيدة آمال خليل، فقد كانت معظم الفضائيات تستخدم كلمة "مقتل" بدلًا من "استشهاد"، وهو الخبر الذي مرّ سريعًا خاطفًا من دون أدنى اهتمام أو توقّف بالتحليلات والإدانات، باستثناءات شحيحة للغاية، وهنا لا بُدّ من التحية لشاشة التلفزيون العربي التي لا تزال تعتبر ضحايا العدوان الصهيوني على جنوب لبنان شهداء.

 

آمال خليل ماتت، كما شيرين أبو عاقلة "قضت نحبها في الصف الأول على جبهة القتال، تذود بجسدها وعدستها وصوتها عن وطن يتعرّض للاحتلال، تحمي السكان العزل من اجتياح الأعداء الهمج، حتى استطاعت الرصاصة الشريرة الوصول إليها.. هذا المشهد، وهذه النهاية، هل هناك من يجادل في أنهما أسمى مراتب الشهادة؟ نعم هناك من جادل بابتذال وقرّر ببذاءة، لا يعرفها دين ولا تقرّها أخلاق، أن يغرس مخالبه في كلّ من يعتبرها شهيدة، ويدعو الله لها بالرحمة وأن تكون في الجنة مع الشهداء الصادقين".

 

هذا بعض ما كتبتُ في استشهاد شيرين، وهو ما يصف حال استشهاد آمال.