مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
لا تتوقف وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن الحديث عن اكتشافات جديدة وعملاقة في مجال إنتاج الغاز الطبيعي، وعن خطط طموحة لزيادة الإنتاج من الغاز في ظل ضغوط شديدة على الإمدادات وشح الوقود الأزرق في الأسواق عقب الحرب على إيران، وعن جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية في قطاع الاستكشاف والإنتاج، وطرح فرص جديدة في مناطق واعدة بالبحر المتوسط والصحراء الغربية وخليج السويس.
ولا تخلو بيانات الوزارة من حديث متواصل عن زخم استثماري واستكشافي كبير تقول إنه يدعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج وخفض كلفة واردات مشتقات الوقود، وتعظيم عائدات التعدين، لدرجة أنك تصل إلى نتيجة فحواها أن مصر تعوم على بحار من الغاز التي تكفي لتغطية الاستهلاك المحلي لسنوات، بل وتغطية أسواق العالم كله.
وهنا يأتي السؤال: لماذا تستورد مصر الغاز من عدة مناشئ، منها دولة الاحتلال وقبرص وقطر وروسيا وغيرها إذا كان لديها هذا الإنتاج الغزير والزخم الاستثماري؟ ولماذا ربطت الحكومة نفسها بتعاقدات طويلة الأجل تصل إلى عام 2040 مع إسرائيل، مبرمة صفقة عملاقة بلغت قيمتها 35 مليار دولار، إذا كانت تلك الاكتشافات سترى النور في غضون سنوات قليلة؟ ولماذا جرى قبل أيام توقيع صفقة لاستيراد الغاز من قبرص ولمدة 15 سنة بهدف هو تأمين احتياجات الطاقة وفق البيانات الرسمية؟
ولماذا رفعت حكومة مصر مخصصات استيراد الغاز بنسبة 26% إلى 10.7 مليارات دولار في العام المالي المقبل 2026-2027؟ ولماذا تعتزم مواصلة استيراد الغاز المسال حتى عام 2030 مع حديث متواصل عن حدوث طفرة في الإنتاج المحلي؟ ولماذا تُخطط لاستيراد نحو 18.7 مليون طن من الغاز المسال والطبيعي خلال العام المالي المقبل، لتلبية الطلب المتنامي البالغ نحو سبعة مليارات قدم مكعبة يوميًا؟ ولماذا تحتاج مصر لتوفير نحو ملياري قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا عبر الاستيراد المكثف، لتلبية احتياجات السوق المحلية المتزايدة، إذ تستهلك 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما يقتصر الإنتاج على نحو 4.2 مليارات قدم مكعب يوميًا.
المتابع لملف الطاقة في مصر يجد أنه لا يمر أسبوع حتى تخرج علينا وزارة البترول ببيان يتحدث عن اكتشافات ضخمة في مجال إنتاج الغاز، أو ضخ استثمارات أجنبية جديدة في مجال التنقيب والإنتاج، فخلال شهر إبريل 2026 أعلنت عن عدة اكتشافات عملاقة، أحدثها أمس السبت، إذ جرى الكشف عن حقل جديد للغاز الطبيعي بمنطقة دلتا النيل، بمعدلات إنتاج تُقدّر بنحو 50 مليون قدم مكعبة يوميًا.
وفي بداية إبريل الماضي أعلنت الوزارة، عن كشف جديد للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، باحتياطي يفوق تريليوني قدم مكعبة و130 ألف برميل من المكثفات المصاحبة، وهو ما يعادل تقريبًا حجم الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي سنويًا، علمًا بأنه وبعدها بأيام قليلة خرجت شركة إيني الإيطالية لتؤكد الكشف الكبير للغاز.
ويوم 24 مارس الماضي أعلنت وزارة البترول عن كشف جديد للغاز الطبيعي في الصحراء الغربية، بالتعاون مع شركة أباتشي الأميركية، قائلة إن نتائج الاختبارات الأولية للبئر أظهرت قدرة إنتاجية تُقدّر بنحو 26 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، إضافة إلى نحو 2700 برميل من المكثفات.
كما تمكّنت شركة بترول خليج السويس (جابكو) من حفر بئر استكشافية جديدة بمنطقة خليج السويس، وبالشراكة مع شركة دراغون أويل الإماراتية، وأن اختبارات البئر أسفرت عن معدلات إنتاج تقارب 2500 برميل زيت يوميًا، و3 ملايين قدم مكعبة من الغاز، وجرى ربطها فورًا على تسهيلات الإنتاج القائمة. وأعلنت شركة أركيوس إنرجي الإماراتية، يوم 30 مارس 2026، خططًا استثمارية ضخمة تستهدف تطوير أصول الغاز الطبيعي في مصر، وعلى رأسها عدد من الحقول البحرية الواعدة.
وفي بداية فبراير الماضي، قالت الوزارة إنها تعتزم بدء الإنتاج من 4 آبار جديدة، لإضافة نحو 210 مليون قدم مكعبة غاز يوميًا بنهاية الربع الأول من 2026، وأن تلك الخطوات تأتي في إطار تسريع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية، بعد تأثر إمدادات الطاقة بسبب الحرب الإيرانية.
صاحب كل تلك الاكتشافات حديث عن قرب طرح مزايدات عالمية جديدة للتنقيب عن الغاز في غرب البحر المتوسط، فشركة إيجاس تعتزم حفر 17 بئرًا استكشافية جديدة خلال العام المالي 2026-2027، إلى جانب بدء تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع المسح السيزمي في شرق البحر المتوسط خلال النصف الثاني من العام.
ووجدنا أن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، كشف قبل أيام عن خطة البحث والاستكشاف خلال الفترة من 2026/2030، التي تتضمن حفر 412 بئرًا استكشافية للزيت الخام باستثمارات 172 مليار دولار، ونحو 72 بئرًا استكشافية للغاز باستثمارات 343 مليار دولار.
هذه الاكتشافات وغيرها تُعيد للذاكرة ما جرى عام 2015، حين أُعلن عن اكتشاف حقل ظُهر العملاق في البحر المتوسط بحجم 30 تريليون قدم مكعبة، ساعتها سارع كبار المسؤولين في الدولة إلى التأكيد على أنه الأكبر في البحر المتوسط، وأن إنتاجه سيغطي الاستهلاك المحلي كاملًا ولسنوات طويلة، بل وسيجري تصدير الفائض إلى الخارج، وتأكيد الإعلام المصري على أن الحقل سيلعب دورًا محوريًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي في مصر، وقلْب موازين الطاقة في العالم.
لكن تمر الأيام وتتحول مصر من مُصدِّر رئيسي للغاز الطبيعي إلى مستورد له، مع تزايد الاستهلاك، وتراجع الإنتاج المحلي خاصة من حقل ظُهر، وهو ما أدى إلى ظهور أزمات عدة، منها انقطاع الكهرباء، والضغط على محطات توليد الطاقة وإنتاج المصانع كثيفة الطاقة، والتوسّع الملحوظ في الاستيراد من الخارج، وارتفاع فاتورة استيراد الغاز من 560 مليون دولار شهريًا إلى نحو 1.65 مليار دولار.

