كشفت أزمة الحج غير النظامي في مصر عن خلل حكومي ممتد قبل موسم 1447هـ و2026م، بعد وفاة أكثر من 650 حاجًا مصريًا في موسم يونيو 2024، بينهم أكثر من 630 حاجًا سافروا خارج الأطر الرسمية، بينما تطرح الحكومة ووزارة السياحة إجراءات جديدة من دون ضمانات معلنة تمنع تكرار الكارثة.

 

وبسبب هذه الأرقام، لم تعد القضية مرتبطة بطلب إحاطة أو نقاش برلماني عابر، لأن جوهر الأزمة يتعلق بمواطنين دفعوا مدخراتهم لشبكات غير مرخصة، ثم وجد كثيرون أنفسهم بلا سكن منظم أو نقل آمن أو رعاية طبية كافية، وسط حرارة تجاوزت 50 درجة في المشاعر المقدسة.

 

حج الزيارة يفتح باب الموت على الفقراء

 

بدأت الأزمة من فجوة واضحة بين تكلفة الحج الرسمية وقدرة قطاعات واسعة من المصريين على تحملها، إذ لجأ مواطنون إلى ما يعرف بحج الزيارة عبر تأشيرات لا تمنحهم كامل خدمات الحج، ثم تحولت هذه الفجوة إلى سوق موازية تديرها كيانات وشركات وسماسرة خارج الرقابة الفعلية.

 

ومع اتساع هذا السوق، استغلت كيانات غير مرخصة رغبة المواطنين في أداء الفريضة، وقدمت وعودًا بالسفر والإقامة والتنقل بأسعار أقل من البرامج الرسمية، بينما تركت الحجاج عند الوصول أمام مسارات شاقة ومخاطر قانونية وصحية، خصوصًا عندما غابت بياناتهم عن المنظومات الرسمية المعتمدة.

 

ثم جاءت وفاة أكثر من 650 مصريًا في موسم 2024 لتكشف أن المشكلة لم تكن خطأ فرديًا، لأن معظم الضحايا كانوا من الحجاج غير النظاميين، وهذا الرقم يثبت أن شبكات السفر غير الرسمي عملت على نطاق واسع قبل أن تتحرك الحكومة بعد وقوع الكارثة.

 

وفي هذا السياق، يرى الاقتصادي وائل جمال أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي يرتبط دائمًا بارتفاع التكلفة وغياب البدائل العادلة، وتوضح أزمة الحج هذه العلاقة بوضوح، لأن المواطن الذي يعجز عن دفع التكلفة الرسمية يدخل مسارًا أرخص لكنه يفقد الحماية والخدمة والحق في المساءلة.

 

لذلك، يصبح الحديث الحكومي عن التطوير ناقصًا عندما يتجاهل السبب الاجتماعي للأزمة، لأن الفقير لا يذهب إلى حج الزيارة حبًا في المخاطرة، بل يذهب إليه عندما تجعل الأسعار الرسمية الفريضة خارج قدرته، وعندما تترك الدولة الوسطاء يقدمون أنفسهم كحل بديل.

 

إجراءات متأخرة لا تفكك الشبكات

 

بعد كارثة 2024، أعلنت الحكومة إلغاء تراخيص 36 شركة سياحة وإحالة مسؤولين إلى النيابة العامة، غير أن هذا القرار جاء بعد سقوط مئات الضحايا، ولذلك لا يكفي بوصفه دليلًا على الرقابة، لأنه يعكس تدخلًا عقابيًا بعد الفشل لا نظامًا يمنع المخالفة قبل وقوعها.

 

وبعد ذلك، طرحت وزارة السياحة والآثار حديثًا عن تطوير منظومة الحج السياحي، واستخدام أدوات تسجيل وتحقق وخدمات خدمية وتنظيمية، لكن السؤال العملي يبقى حول قدرة هذه الأدوات على كشف الإعلانات المضللة والصفحات الوهمية والوسطاء الذين يتحركون خارج الشركات الرسمية.

 

كما أن الاعتماد على التسجيل الرقمي وحده لا يحل الأزمة، لأن شبكات الحج غير النظامي لا تعمل فقط عبر أوراق ناقصة، بل تعمل عبر وعود شخصية وصفحات دعائية ومكاتب غير معلنة ومسارات دفع غير مراقبة، وهذا النوع يحتاج تحقيقًا ماليًا ورقابة مسبقة لا مجرد نماذج تسجيل.

 

ومن زاوية حقوقية، يؤكد حسام بهجت في مواقفه العامة أن غياب الشفافية يضعف قدرة المجتمع على محاسبة السلطة، وتنطبق هذه القاعدة على ملف الحج، لأن الحكومة لم تقدم حتى الآن كشفًا تفصيليًا كافيًا يوضح من سهل سفر الضحايا ومن راقب ومن تقاعس.

 

على هذا الأساس، تبدو الإجراءات المعلنة ناقصة من دون إعلان خريطة واضحة لتفكيك الشبكات، لأن إلغاء تراخيص عدد من الشركات لا يجيب عن سؤال استمرار الظاهرة، ولا يوضح كيف ستصل الدولة إلى السماسرة الذين لا يملكون واجهات قانونية أصلًا.

 

الحرارة والنقل والسكن اختبار سلامة لا دعاية تنظيم

 

إلى جانب خلل الرقابة، تفرض الحرارة المرتفعة في مكة والمشاعر المقدسة تحديًا مباشرًا على الحجاج المصريين، فقد سجل موسم 2024 درجات حرارة تجاوزت 50 درجة، كما حذرت جهات صحية سعودية من أخطار التعرض الطويل للشمس والأسطح الساخنة في مناطق الشعائر.

 

وبناء على ذلك، لا يجوز أن تتعامل الحكومة مع البعثة الطبية بوصفها إجراءً شكليًا، لأن الإجهاد الحراري يحتاج فرقًا مدربة وخطط فرز سريع ونقاط تدخل قريبة، كما يحتاج الحجاج إلى نقل منتظم وسكن غير متكدس ومواعيد حركة تمنع التعرض الطويل للشمس.

 

ثم تظهر الحصة الرسمية التي تقترب من 78.500 حاج كمؤشر على حجم المسؤولية، لأن هذا العدد لا يسمح بإدارة موسمية مرتجلة، ولا يسمح بترك شركات السياحة تتحكم وحدها في تفاصيل النقل والتسكين، خصوصًا عندما تؤدي الزحام وسوء الإقامة إلى زيادة المخاطر الصحية.

 

وفي هذا المسار، يشدد المحامي الحقوقي خالد علي في مواقفه العامة على أن سلامة المواطنين واجب قابل للمساءلة لا منحة إدارية، وتمنح أزمة الحج مثالًا واضحًا على هذا المبدأ، لأن الدولة تعرف أسماء الشركات والبعثات والحصص والضوابط قبل سفر الحجاج.

 

كذلك، يجب أن تبدأ خطة الموسم من مراجعة ما حدث في يونيو 2024 لا من إعلان ضوابط جديدة فقط، لأن الحكومة تعرف الآن أن الحاج غير النظامي يفقد السكن والنقل والرعاية، وتعرف أن الحرارة تقتل سريعًا عندما يمشي الإنسان لساعات بلا حماية كافية.

 

لذلك، تحتاج منظومة الحج إلى إعلان واضح عن آليات التحقق من بيانات كل حاج، وطريقة رصد الإعلانات غير المرخصة، ومسؤولية كل شركة عن السكن والنقل، وخطة البعثة الطبية مع الإجهاد الحراري، لأن الغموض في هذه النقاط يعيد إنتاج نفس الخطر.

 

وفي النهاية، لا تكفي بيانات الطمأنة قبل موسم 2026، لأن مئات الوفيات في 2024 وضعت الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، فإما أن تحمي المواطنين من شبكات الحج غير النظامي ومن كلفة السفر غير العادلة ومن مخاطر الحرارة، أو تتحمل سياسيًا وأخلاقيًا نتيجة تكرار المأساة.