أعلنت شركة آمون للأدوية في مدينة العبور بمحافظة القليوبية انتهاء إضراب عمالها بعد 8 أيام من التوقف عن العمل، عقب اتفاق مع ممثلين عن العمال على صرف مكافأة في يونيو المقبل بدلًا من الأرباح السنوية، بينما بقيت مطالب الأجور والتعيينات ووقف التهديدات مؤجلة لشهر جديد.

 

وتكشف نهاية الإضراب بهذه الصيغة أن الحكومة لم تتدخل لحماية حق العمال في الأرباح أو تطبيق الحد الأدنى للأجور، بل تُرك نحو 2800 إلى 3000 عامل أمام إدارة شركة تحقق مبيعات بنحو 9.8 مليار جنيه، في وقت يتقاضى فيه قطاع واسع منهم أقل من 6 آلاف جنيه شهريًا.

 

آمون للأدوية تنهي الإضراب باتفاق مؤقت وتبقي الأزمة مفتوحة

 

بعد 8 أيام من الإضراب، أنهى عمال شركة آمون للأدوية في مدينة العبور توقفهم عن العمل، عقب اجتماع ممثلين عنهم مع الإدارة، وتوصل الطرفان إلى اتفاق بصرف مكافأة في يونيو المقبل بدلًا من الأرباح السنوية، مع بحث باقي المطالب خلال شهر.

 

وقبل إنهاء الإضراب، انتقدت دار الخدمات النقابية والعمالية استمرار اعتصام العمال لليوم الثامن، وذكرت أن نحو 3000 عامل شاركوا في الاحتجاج بسبب تدني الأجور والأوضاع الوظيفية، بينما واجه العمال تهديدات بالإغلاق ومحاولات ضغط بدل فتح تفاوض جاد.

 

ثم ربطت الدار بين الأزمة وبين وضع الشركة المالي، إذ تساءلت عن وصف الإدارة لما يجري بأنه نزاع إداري فقط، رغم أن الشركة حققت مبيعات بنحو 9.8 مليار جنيه ومعدل نمو 18%، وهو رقم يجعل حجب الأرباح وانخفاض الأجور موضع اتهام مباشر للإدارة.

 

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز موقف كمال عباس، منسق دار الخدمات النقابية والعمالية، الذي دافع في ملفات عمالية متكررة عن حق العمال في الأجر العادل والتفاوض الجماعي، لأن تجاهل الإدارة لهذه الحقوق يحول علاقة العمل من شراكة إنتاج إلى علاقة ضغط مستمر.

 

وبحسب المعلومات المتداولة عن ملكية الشركة، استحوذت أبو ظبي عبر القابضة على آمون مقابل نحو 740 مليون دولار، قبل إدارتها ضمن كيان أرسيرا لعلوم الحياة، لكن انتقال الملكية لم ينعكس على أجور العمال الذين بقي كثير منهم تحت مستوى 6 آلاف جنيه شهريًا.

 

لذلك، انتقدت دار الخدمات نظام التعاقد عبر شركات وسيطة ومقاولات من الباطن، لأن هذا النظام يضعف الاستقرار الوظيفي ويحرم العمال من حماية قانونية ونقابية كاملة، ثم طالبت وزارة العمل بالتدخل وتطبيق الحد الأدنى وفتح قنوات تفاوض ووقف الإجراءات التعسفية.

 

المفوضية المصرية توثق تفاوت الأجور وحق الإضراب

 

في مسار حقوقي مواز، أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات تضامنها مع نحو 2800 عامل وعاملة في آمون للأدوية، واعتبرت أن الإضراب السلمي جاء ردًا على تعنت الإدارة وتجاهلها مطالب الأجر العادل والنصيب القانوني من الأرباح وظروف العمل الآمنة.

 

كما أوضحت المفوضية أن حراك العمال جاء بعد سنوات من التهميش والحرمان من الأرباح السنوية، إذ طالب العمال بإعادة احتساب الأرباح على أسس عادلة تعكس الأجور الحالية، بدل الاعتماد على أساسي أجور قديم لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وعلى مستوى بيئة العمل، وثقت المفوضية شهادة عمالية قالت إن سياسات الإدارة خلقت تفاوتًا هيكليًا صارخًا بين العمال والموظفين الإداريين، وغيابًا لأي تدرج وظيفي عادل، بينما ظل قطاع واسع من العمال يتقاضى أقل من 6 آلاف جنيه رغم خدمة تجاوزت 10 سنوات.

 

بالتزامن مع ذلك، فاقمت الإدارة الأزمة عبر تكريس أنماط التشغيل الهشة والاعتماد على شركات الوساطة والامتناع عن فتح باب التعيينات لتعويض العمالة الخارجة، وهو ما أدى إلى استنزاف العمال الحاليين ومضاعفة أعبائهم الإنتاجية من دون مقابل عادل أو حماية مستقرة.

 

وعندما تمسك العمال بمطالبهم، واجهت الإدارة الأزمة بنهج من المماطلة وتصعيد التهديد بالفصل واتخاذ إجراءات عقابية بحق المشاركين في الإضراب، لذلك صعد العمال مطالبهم إلى إقالة رئيس مجلس الإدارة وحملوه مسؤولية تفاقم الاحتقان داخل مواقع العمل.

 

ومن زاوية حقوقية، تنسجم شهادة المفوضية مع مواقف المحامية والقيادية العمالية فاطمة رمضان، التي دافعت طويلًا عن حق العمال في الإضراب والتنظيم، لأن العامل الذي لا يملك نقابة مستقلة ولا حماية من الفصل يصبح مكشوفًا أمام الإدارة والأمن معًا.

 

واستنادًا إلى المادة 15 من الدستور المصري، أكدت المفوضية أن الإضراب السلمي حق أصيل دفاعًا عن المصالح المهنية والاقتصادية، كما ذكرت أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ينظم حقوق العمال في الأرباح والأجور ويحظر الجزاءات الانتقامية ضد ممارسة الحقوق المشروعة.

 

إيبيكو وسيديكو تكشفان حضور الأمن في نزاعات العمل

 

قبل أزمة آمون، توقف عمال شركة إيبيكو في فبراير عن رفع صوتهم بعد استغاثات من تدني الأجور وعدم تطبيق الحد الأدنى، وقال عمال إنهم تلقوا تهديدات تشبه ما جرى في 2019 عندما اعتقلت السلطات 21 من عمال الشركة في العاشر من رمضان.

 

وبعد اعتقال عمال إيبيكو في 2019، أحالتهم السلطات إلى المحكمة، ثم قررت محكمة جنح بلبيس إخلاء سبيلهم بعد تعهدات بعدم الاعتصام أو الإضراب مقابل ترضيات، وهو مسار يوضح كيف تتحول المطالب المهنية إلى ملف تهديد قانوني وأمني.

 

وفي الواقعة نفسها، كشف الناشط النقابي خليل رزق رزق أنه تلقى تهديدًا مبطنًا من الأجهزة الأمنية بعد تضامنه مع عمال إيبيكو ورفضه الإجراءات التعسفية بحقهم، رغم أنه ينتمي إلى نقابة السائقين، وقد تناولت منصة العربي الجديد قصته ضمن ملف التضامن العمالي.

 

لاحقًا في فبراير ومارس 2025، أنهى عمال شركة سيديكو للأدوية إضرابهم عن العمل لحماية اثنين من زملائهم، بعد تهديد الأمن الوطني بحبسهما في قضايا إرهاب وتخابر والتواصل مع وسائل إعلام معارضة بالخارج إذا استمر الإضراب.

 

وخلال إضراب سيديكو، انتشرت مخاوف بين العمال من وجود فئة تنقل أسماء قيادات الإضراب إلى الأجهزة الأمنية، وزادت المخاوف من التنكيل بالحبس أو الفصل بعد اتهام مدير الشركة بعض العمال بنشر أكاذيب وتضليل الأغلبية داخل قطاع الإنتاج.

 

ثم قال أحد العمال المشاركين في الإضراب إن اللجنة النقابية طالبتهم بفض التحرك بعد تلقي تهديدات أمنية بالحبس وفصل عدد من العاملين، بينما ضم وفد التفاوض عضوًا واحدًا فقط من اللجنة النقابية و6 ممثلين من العمال غير أعضاء النقابة.

 

وقبل هذا التفاوض، أضرب عمال سيديكو بعد توقف دام أسبوعين بقرار من الإدارة ردًا على وقفة احتجاجية في 23 يناير، وبررت الإدارة التوقف وقتها بإجراء صيانة، ثم قالت إن مدة التوقف ستخصم من رصيد إجازات العمال.

 

ومن منظور قانوني، يوضح موقف المحامي الحقوقي خالد علي أن تحويل مطالب العمال إلى تهديد أمني يقوض الحق الدستوري في التنظيم والإضراب، لأن استخدام اتهامات الإرهاب والتخابر داخل نزاع عمل يجعل العامل أمام خطر جنائي بدل طاولة تفاوض.

 

في النهاية، تكشف أزمات آمون وإيبيكو وسيديكو أن حكومة السيسي لا تحمي العمال من تعسف الإدارات ولا تلزم المستثمرين بالحد الأدنى والأرباح، بل تسمح بتحويل نزاعات الأجر إلى ملفات أمنية، ولذلك تبدو صناعة الدواء مربحة للشركات ومكلفة للعمال الذين ينتجونها.