كشفت بيانات موازنة 2026/2027 في مصر قفزة تكلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة بنسبة 177% لتصل إلى 12.03 مليار جنيه، مقابل 4.35 مليار جنيه مقدرة في العام المالي الجاري، بحسب تقارير نقلت عن بلومبيرج الشرق، بما يحول نقل الوزارات إلى بند إنفاق ضخم داخل موازنة تعلن الحكومة فيها التقشف.

 

تضع هذه القفزة خطاب ترشيد الإنفاق أمام تناقض واضح، لأن الحكومة تطلب من المواطنين والجهات العامة شد الأحزمة تحت ضغط الديون والطاقة وسلاسل الإمداد، ثم تخصص مليارات جديدة لإيجار وصيانة مقار حكومية في مدينة أنشأتها السلطة خارج أولويات الصحة والتعليم والأجور، بينما لا يشعر الموظف ولا المواطن بتحسن مقابل هذه الفاتورة.

 

إيجار وصيانة يرفعان فاتورة الحكومة

 

في البداية، أظهرت بيانات الموازنة أن كلفة تشغيل الحي الحكومي لم ترتفع بنسب محدودة، بل قفزت من 4.35 مليار جنيه إلى 12.03 مليار جنيه في عام مالي واحد، وهو ارتفاع يساوي 177%، ويكشف أن انتقال الوزارات إلى العاصمة الإدارية لم يكن مجرد قرار إداري، بل أصبح التزاما ماليا مستمرا.

 

وبحسب التفاصيل المنشورة، توزعت الكلفة بين أكثر من 11 مليار جنيه للإيجار والصيانة، إضافة إلى نحو مليار جنيه لبدلات انتقال وسكن الموظفين العاملين داخل الحي الحكومي، بينما ذكر حساب الشرق أن الموازنة تضمنت 3.8 مليار جنيه لصيانة مباني الحي الحكومي و678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين.

 

ثم يبرز بند الإيجارات بوصفه عنوانا أساسيا للمشكلة، فقد ذكرت تقارير أن الموازنة تضمنت 7 مليارات جنيه تحت بند إيجارات مقابل حق الانتفاع بمباني الحي الحكومي، وهو بند مستحدث لم يظهر في موازنة العام المالي السابق، بما يعني أن الزيادة الجديدة لم تأت من توسع خدمات للمواطنين بل من كلفة المقرات نفسها.

 

لذلك، تصبح رواية الحكومة عن أن العاصمة الإدارية لا تحمل الموازنة أعباء موضع مساءلة مباشرة، لأن الدولة كانت تكرر أن المشروع يمول نفسه عبر بيع الأراضي، بينما تظهر الموازنة الآن أن تشغيل الحي الحكومي وحده يحتاج مليارات سنوية من المال العام، وأن المواطن يدفع كلفة الانتقال ولو لم يذهب إلى العاصمة يوما واحدا.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن الحكومة تختار من جداول الموازنة ما تريد إظهاره للجمهور، وأشار إلى وجود أكثر من مستوى للأرقام داخل الموازنة، وهذا التنبيه يفسر كيف تختبئ بنود كبرى خلف عناوين مالية تبدو فنية لكنها تحمل أثرا سياسيا واجتماعيا مباشرا.

 

تقشف على المواطنين وإنفاق على المقرات

 

بالتزامن مع هذه الأرقام، أعلنت الحكومة توجهات لترشيد الإنفاق العام بسبب الضغوط الاقتصادية وتداعيات الأزمات الإقليمية واضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، غير أن قفزة تشغيل الحي الحكومي تضع هذا الترشيد في موقع انتقائي، لأن التقشف يطال الخدمات والأجور بينما تستمر كلفة المشروعات الكبرى في الصعود.

 

وعندما ترتفع فاتورة تشغيل مقر حكومي إلى أكثر من 12 مليار جنيه، يصبح سؤال الأولويات أكثر حدة، لأن الموازنة لا تتعامل مع موارد فائضة، بل تعمل تحت ضغط فوائد وأقساط ديون وخفض إنفاق اجتماعي، في حين يذهب جزء من المال العام إلى إيجارات وصيانة وبدلات انتقال مرتبطة بعاصمة جديدة.

 

كما أن الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني كتب أن الديون بأعبائها وفوائدها تحد من قدرة السياسة المالية على تمويل بنود الإنفاق الضروري، خصوصا الأجور والدعم والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة، وهو توصيف ينطبق على موازنة ترفع كلفة المقار بينما تضغط الإنفاق الذي يمس حياة المواطنين مباشرة.

 

ومن زاوية أخرى، تؤكد الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في قراءاتها للسياسات الاقتصادية أن الديون والسياسات المالية الحالية تضغط على الحماية الاجتماعية، وتعيد ترتيب الإنفاق بما يضع المواطنين أمام كلفة أكبر وخدمات أضعف، وهو ما يجعل بند العاصمة الإدارية جزءا من أزمة عدالة مالية لا مجرد بند إداري.

 

لهذا السبب، لا تبدو المشكلة في أن الحكومة نقلت وزاراتها إلى مبان جديدة فقط، بل في أن الدولة لم تقدم كشف عائد واضح يثبت أن هذه المليارات حسنت الخدمة أو خفضت كلفة الإدارة أو أنهت البيروقراطية، بينما يظل المواطن مضطرا لإنجاز مصالحه عبر منظومة حكومية لم تتغير جذريا.

 

العاصمة الإدارية تعود إلى قلب الجدل

 

لاحقا، عادت العاصمة الإدارية إلى دائرة الجدل لأنها تحولت من مشروع تقدمه السلطة باعتباره رمزا للتحديث إلى بند تشغيل سنوي ضخم، ومع توسع انتقال الوزارات والمرافق الحكومية، ترتفع كلفة الصيانة والإيجارات والبدلات، بما يثبت أن الإنشاء لم يكن نهاية الفاتورة بل بداية فواتير جديدة.

 

ورغم تأكيد الحكومة أن هذه المشروعات تستهدف إعادة هيكلة الجهاز الإداري وتحسين كفاءة العمل على المدى الطويل، فإن الأرقام الحالية لا تقدم دليلا كافيا على تحقق الكفاءة، لأن تكلفة التشغيل صعدت بسرعة أكبر من قدرة المواطن على ملاحظة تغيير في جودة الخدمات أو سرعة القرارات أو خفض الهدر الإداري.

 

في المقابل، سبق أن نشرت درب آراء خبراء اقتصاديين بشأن الإنفاق على العاصمة والعلمين، حيث دعا الدكتور عبد الخالق فاروق إلى إعادة ترتيب الأولويات، واعتبر الباحث إلهامي الميرغني أن الإغراق في الاقتراض لا يصنع تنمية حقيقية، بينما شدد خبراء على توجيه الموارد إلى الإنتاج والصحة والتعليم.

 

بناء على ذلك، تعني كلفة 12.03 مليار جنيه أن الجدل لم يعد عن تكلفة البناء فقط، بل عن تكلفة التشغيل المستمرة، لأن الموازنة ستتحمل إيجارا وصيانة وبدلات سنة بعد سنة، بينما لا تزال قطاعات واسعة من المصريين تواجه ارتفاع الأسعار وخفض الدعم وضعف الأجور وتدهور الخدمات العامة.

 

أما سياسيا، فإن هذه القفزة تكشف أن خطاب الدولة عن الكفاءة الإدارية يتصادم مع نموذج إنفاق يضع الواجهة قبل الخدمة، لأن الحكومة لم تثبت أن نقل الموظفين إلى مبان جديدة جعل الجهاز الإداري أقل تكلفة أو أكثر قربا من المواطن، بل أثبتت الموازنة أن النقل نفسه صار عبئا إضافيا.

 

وفي الخلاصة، تكشف تكلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية أن الحكومة لا تواجه أزمة موارد فقط، بل تواجه أزمة اختيار، فهي تطلب التقشف من المجتمع وتمنح المقرات أولوية مالية، وتدعو إلى ترشيد الإنفاق ثم ترفع فاتورة الإيجار والصيانة والبدلات، ولذلك يتحول رقم 12.03 مليار جنيه إلى دليل واضح على خلل الأولويات لا على تحديث الإدارة.