حذرت فرنسا رعاياها في مالي، خلال نهاية أبريل 2026، من البقاء داخل البلاد، ودعتهم إلى المغادرة في أقرب وقت ممكن بعد هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية ومدنا عدة، بينها مناطق قريبة من العاصمة باماكو، في تطور أمني وضع المجلس العسكري الحاكم أمام أكبر اختبار منذ انقلابي 2020 و2021.
وتكشف هذه الدعوة أن الأزمة لم تعد محصورة في شمال مالي أو في مواجهات متقطعة داخل الصحراء، بل انتقلت إلى مرحلة تهديد مباشر لمركز الحكم والطرق المؤدية إلى العاصمة. فالهجمات الأخيرة جمعت بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة وجبهة تحرير أزواد، وهو تنسيق يضرب رواية المجلس العسكري عن استعادة السيطرة بعد طرد النفوذ الفرنسي وتقليص الدور الدولي.
هجمات منسقة تنقل الصراع إلى أبواب العاصمة
شهدت مالي في أواخر أبريل 2026 سلسلة هجمات واسعة ضد مواقع عسكرية، ووصفتها وكالة أسوشيتد برس بأنها من أكبر الهجمات التي شهدتها البلاد منذ أكثر من عقد. واستهدفت العمليات مواقع حساسة، بينها محيط باماكو ومناطق شمالية، كما قالت السلطات المالية إنها تحقق مع عسكريين حاليين وسابقين بشبهة التعاون مع جماعات جهادية وانفصالية في تنفيذ الهجمات.
وجاء التصعيد الأخطر بعد إعلان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين محاولة فرض حصار على الطرق المؤدية إلى باماكو، حيث سعت الجماعة إلى تعطيل حركة النقل والضغط على العاصمة اقتصاديا وأمنيا. وذكرت صحيفة لوموند أن الجماعة قطعت أو هددت عدة طرق رئيسية، مع السماح بالخروج من العاصمة ومنع الدخول إليها في بعض المحاور، بما يعكس تكتيكا يقوم على إنهاك السلطة لا احتلال المدينة مباشرة.
وفي السياق نفسه، دعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى تشكيل جبهة واسعة ضد المجلس العسكري، ووجهت خطابها إلى قوى سياسية ودينية واجتماعية داخل مالي. ويعني هذا التطور أن الجماعة لا تكتفي بعمليات عسكرية، بل تحاول تحويل الأزمة الأمنية إلى ضغط سياسي مباشر على الحكم العسكري، خاصة بعد اتساع الغضب من تدهور الأمن ونقص الوقود وانقطاع الكهرباء في مناطق عدة.
كما زادت رمزية الأزمة بعد مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في هجوم منسق، وهو شخصية محورية داخل المجلس العسكري ومهندس التقارب مع روسيا خلال السنوات الأخيرة. وأعلنت السلطات المالية تشييعه في جنازة رسمية يوم 30 أبريل 2026، بحضور رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا ومسؤولين من النيجر وبوركينا فاسو.
أزواد والطوارق والقاعدة.. خريطة الفصائل المتحركة
تتصدر جبهة تحرير أزواد المشهد الانفصالي في شمال مالي، وهي امتداد لحركات تطالب بالحكم الذاتي أو الاستقلال في إقليم أزواد ذي الحضور الطوارقي الكبير. وقد استغلت هذه الحركات هشاشة الدولة المركزية واتساع الصحراء وضعف التنمية في الشمال، لتعيد بناء قدرتها العسكرية بعد سنوات من الاتفاقات الهشة مع باماكو.
أما الطوارق فلا يمثلون تنظيما واحدا، بل يشكلون مجموعة عرقية منتشرة في مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو. وقد قادت أطراف طوارقية عدة تمردات تاريخية ضد السلطة المركزية في مالي، بسبب التهميش السياسي والاقتصادي. لكن المشهد الحالي أكثر تعقيدا، لأن بعض التيارات القومية العلمانية تتقاطع ميدانيا مع جماعات جهادية تختلف معها فكريا لكنها تشاركها العداء للمجلس العسكري.
وتعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الفاعل الأخطر داخل التصعيد الأخير، لأنها تجمع خبرة قتالية طويلة وشبكات محلية وقدرة على استغلال الفراغ الأمني. وترتبط الجماعة بتنظيم القاعدة، وتعتمد على حرب العصابات وقطع الطرق والهجمات المنسقة ضد الجيش، وقد أعلنت مسؤوليتها عن بعض الهجمات وطرحت نفسها كقوة قادرة على تهديد العاصمة لا مجرد التمركز في المناطق البعيدة.
ويكشف التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أن الصراع دخل مرحلة براغماتية خطيرة، حيث تتقدم الحسابات الميدانية على الاختلافات الأيديولوجية. وقد قالت وكالة رويترز إن الهجمات الأخيرة أظهرت تعاونا بين مسلحين مرتبطين بالقاعدة وانفصاليين طوارق، وهو ما يضع المجلس العسكري أمام جبهتين متداخلتين بدلا من عدو واحد واضح.
وتتضاعف خطورة هذا التنسيق مع خسارة مواقع استراتيجية في الشمال، بينها كيدال وتساليت وفق تقارير دولية، لأن هذه المناطق تمثل عمقا سياسيا ورمزيا للحركات الأزوادية. كما أن انسحاب القوات المالية وحلفائها الروس من بعض المواقع يضعف صورة السلطة العسكرية التي قدمت نفسها بديلا قادرا على حسم الملف الأمني بعد خروج القوات الفرنسية والأممية.
المجلس العسكري بين خطاب السيطرة وفراغ التحالفات
يحكم المجلس العسكري مالي منذ انقلاب 2020، ثم عزز قبضته بعد انقلاب 2021، وقدم نفسه بوصفه سلطة قادرة على استعادة السيادة وإنهاء الاعتماد على فرنسا. لكن الهجمات الأخيرة ضربت هذا الخطاب في نقطة أساسية، لأن السلطة التي بنت شرعيتها على الأمن تواجه الآن هجمات منسقة، واتهامات بوجود اختراق داخل الجيش، وخسائر رمزية شملت مقتل وزير الدفاع نفسه.
وقد حاول رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا احتواء الصدمة بتأكيد أن الوضع تحت السيطرة، وبالتعهد بمواصلة العمليات ضد المسلحين. غير أن هذا الخطاب يصطدم بوقائع ميدانية صعبة، أبرزها تهديد الطرق المؤدية إلى باماكو وتراجع الجيش في بعض مناطق الشمال وبدء تحقيقات ضد عسكريين بشبهة التعاون مع الجماعات المسلحة.
وتزداد الأزمة تعقيدا بسبب تغير خريطة التحالفات الخارجية. فقد لعبت فرنسا دورا عسكريا مركزيا في مالي منذ 2013، قبل أن تتدهور العلاقات مع المجلس العسكري وتنسحب قواتها تدريجيا. وبعد ذلك اتجهت باماكو إلى توثيق التعاون مع روسيا وقوات مرتبطة بها، لكن مقتل كامارا وتراجع القوات الروسية من كيدال وفق تقارير دولية يطرحان سؤالا عن كلفة هذا التحول ونتائجه.
في المقابل، أعلنت النيجر أن القوة الموحدة التابعة لتحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، نفذت ضربات جوية في شمال مالي بعد الهجمات الأخيرة. ويعكس ذلك محاولة المجالس العسكرية الثلاث تقديم بديل أمني إقليمي بعد الخروج من المظلات الغربية التقليدية، لكن التصعيد الحالي يظهر أن التحالف الجديد لا يزال عاجزا عن منع تمدد الجماعات المسلحة نحو مراكز الضغط الحيوية.
وتحمل جنازة وزير الدفاع ساديو كامارا دلالة سياسية كبيرة، لأن الرجل كان أحد أبرز وجوه النظام العسكري ومهندس التقارب مع موسكو. وقد ظهر غويتا خلال الجنازة أمام نعش ملفوف بعلم مالي، بينما شارك مسؤولون من النيجر وبوركينا فاسو في مراسم التشييع، في مشهد أظهر تماسك المحور العسكري الحاكم لكنه كشف أيضا حجم الضربة التي تلقتها باماكو.
وفي النهاية، تدخل مالي مرحلة أكثر خطورة من مجرد موجة هجمات جديدة، لأن التنسيق بين الانفصاليين والجهاديين، ومحاولة حصار باماكو، ومقتل وزير الدفاع، ودعوة فرنسا لرعاياها إلى المغادرة، كلها مؤشرات على انتقال الصراع من أطراف الدولة إلى مركزها السياسي. وإذا لم يستطع المجلس العسكري حماية الطرق والمدن واستعادة المبادرة، فقد تتحول الأزمة المالية إلى مركز اضطراب جديد يضغط على كامل منطقة الساحل الإفريقي.

