أعلنت حكومة الانقلاب منذ ساعات موافقة مجلس الوزراء على تعديلات اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية، ووضعت خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسبة تصل إلى 60% في قلب القرار، بينما قدمت الحكومة الخطوة باعتبارها حافزًا للاستثمار، لكنها منحت المستثمرين تخفيضًا مباشرًا في كلفة الوصول إلى مورد عام تملكه الدولة والمجتمع.

 

يرتبط القرار بسياق سياسي واقتصادي تضغط فيه الحكومة على المواطنين عبر الرسوم والضرائب ورفع كلفة الخدمات، ثم تتحرك في ملف الثروة المعدنية بمنطق معاكس عندما يتعلق الأمر بالمستثمرين، لأن خفض الإيجارات وتسريع الموافقات وتقليل مساهمة الهيئة يعني نقل جزء من عبء المخاطرة عن الشركات، لا بناء رقابة عامة صارمة على عوائد التعدين.

 

خفض الإيجارات يسبق سؤال العائد العام

 

في البداية، تكشف نسبة الخفض البالغة 60% أن الحكومة اختارت معالجة ضعف الجذب الاستثماري بتقليل كلفة الانتفاع بالمناطق التعدينية، بدل مراجعة أسباب تعثر القطاع من زاوية الشفافية والرقابة وتوزيع العائد، ولذلك يبدو القرار أقرب إلى فتح الباب أمام المستثمرين بشروط مريحة، بينما يغيب تفسير واضح لحجم ما ستخسره الخزانة من الإيجارات السابقة.

 

ثم جاءت إعادة هيكلة الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية لتصبح هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية بهيكل اقتصادي مستقل، وهو تغيير إداري كبير لا يمكن فصله عن خفض الالتزامات على المستثمرين، لأن الاستقلال الاقتصادي يحتاج قواعد إفصاح ورقابة برلمانية ومجتمعية، لا مجرد اسم جديد يرافق حزمة تنازلات مالية واسعة.

 

وبحسب هذا المسار، يرى الباحث الاقتصادي وائل جمال أن التعامل مع الأزمة الاقتصادية من بوابة الخصخصة وجذب العملة الأجنبية بأي شروط يضع الدولة في موقع تفاوض ضعيف، وقد انتقد في حوار سابق تصور ربط حل الأزمة ببيع الأصول وتوسيع دور رأس المال الخاص، وهو تحذير ينسحب على قطاع التعدين عندما تتراجع حصة الدولة قبل إعلان ضمانات العائد العام.

 

لذلك لا يقف جوهر التعديلات عند خفض الإيجار فقط، بل يمتد إلى خفض نسبة مساهمة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في المشروعات المشتركة إلى 10% بدلًا من 25%، وهذه النقطة تمنح المستثمر حصة أوسع في مشروعات تقوم أصلًا على خامات محلية، وتضعف قدرة الجهة العامة على المشاركة في الأرباح والقرار.

 

تسهيل الموافقات يقلل الاحتكاك ولا يضمن الرقابة

 

بعد ذلك، حددت التعديلات مدة لا تتجاوز 30 يومًا لإصدار الموافقات والتنسيقات، وقدمت الحكومة هذا البند باعتباره تسريعًا للإجراءات وتقليلًا للبيروقراطية، لكن السرعة في قطاع يستخرج خامات غير متجددة تحتاج رقابة موازية على البيئة والعمالة والإيرادات، لأن اختصار الزمن الإداري لا يكفي وحده لضمان حماية المال العام.

 

كما سمحت التعديلات باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز الواحدة، وهذا البند يزيد الجدوى الاقتصادية للشركات لأنه يوسع نطاق الاستفادة من نفس المنطقة، لكنه يفرض سؤالًا مباشرًا عن آلية حساب الإتاوات لكل خام، وعن قدرة الدولة على تتبع الكميات والقيم الفعلية، خصوصًا في سوق تتأثر أسعار خاماته عالميًا بسرعة.

 

ومن هذه الزاوية، تكتسب ملاحظات الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أهمية خاصة، لأنه تناول في كتاباته عن الموارد الطبيعية المصرية مشكلات العقود طويلة الأجل وإهدار الثروات العامة، وربط بين صياغة التعاقدات وشروطها وبين خسارة الدولة جزءًا من مواردها، ولذلك يضع بند تعدد الخامات داخل الامتياز الواحد مسؤولية أكبر على الحكومة قبل منح أي ترخيص.

 

في المقابل، أعلنت الحكومة وضع إطار واضح لتحديد الإتاوات الخاصة بالخامات غير المدرجة مسبقًا، وقالت إن الهدف هو ضمان الشفافية ووضوح الالتزامات المالية للمستثمرين، غير أن الشفافية لا تتحقق بمجرد تحديد الإتاوة، بل تحتاج نشر العقود والأسعار والكميات والجهات المستفيدة حتى يستطيع المواطن معرفة نصيب الدولة الحقيقي من التعدين.

 

وبالتوازي، نظمت التعديلات إصدار تراخيص المعامل المتخصصة وحددت اشتراطات تشغيلها، وهو بند مهم لأن التحليل المعملي يحدد نوع الخام وجودته وقيمته، لكن خطورته تظهر إذا بقيت المعامل بعيدة عن رقابة مستقلة، لأن نتيجة التحليل تستطيع أن تؤثر في الإتاوة والسعر والتقييم النهائي للثروة المستخرجة.

 

بوابة رقمية وفروع خارجية بلا ضمانات إفصاح

 

لاحقًا، أتاحت التعديلات إنشاء فروع ومكاتب للهيئة داخل مصر وخارجها لدعم الترويج لفرص الاستثمار وتيسير الخدمات للمستثمرين، وهذا التوسع الإداري يوضح أن الحكومة تريد تحويل الهيئة إلى جهاز تسويق للقطاع، بينما يحتاج المواطن إلى هيئة تحمي المورد العام قبل أن تلاحق المستثمر في الخارج بعروض وتسهيلات.

 

وفي السياق نفسه، أكدت التعديلات دعم التحول الرقمي عبر إتاحة التقديم على المناطق التعدينية وسداد الرسوم إلكترونيًا من خلال بوابة مصر للتعدين، وهذا الإجراء قد يقلل الاحتكاك الإداري، لكنه لا يساوي شفافية كاملة إذا لم تنشر البوابة خرائط الامتيازات وقيم الإيجارات والإتاوات والرسوم ومواعيد السداد وأسماء الشركات الفائزة.

 

كذلك يقدم الباحث يزيد صايغ في دراسته عن الاقتصاد العسكري المصري مدخلًا مهمًا لفهم حساسية الموارد، إذ يشير إلى أن كثيرًا من الثروات المعدنية تقع في مناطق ترتبط بترتيبات أمنية وإدارية معقدة، ولذلك يصبح الإفصاح عن الامتيازات والتعاقدات ضرورة سياسية واقتصادية، وليس مطلبًا شكليًا في قطاع عالي المخاطر.

 

وعلى هذا الأساس، تكشف الحزمة الحكومية عن أولوية واضحة، حيث خفضت الحكومة الإيجارات، وقللت مساهمة الهيئة، وسرعت الموافقات، ووسعت نطاق استغلال الخامات، وأنشأت مسارًا رقميًا ومكاتب ترويج، لكنها لم تقدم في المقابل جدولًا علنيًا يوضح كيف سيزيد نصيب الدولة والمجتمعات المحلية من عوائد التعدين.

 

في النهاية، يضع قرار خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسبة تصل إلى 60% الحكومة أمام سؤال لا تستطيع تجاهله، لأن الثروة المعدنية ليست منحة إدارية للمستثمرين، بل أصل عام يجب أن يخضع لعقود منشورة ورقابة واضحة وعائد عادل، وأي إصلاح لا يبدأ من حق المجتمع في المعرفة ينتهي إلى خصم جديد من رصيد الدولة لصالح أصحاب رأس المال.