كشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 1019 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا وقائع فساد داخل مديرية الإسكان بمحافظة القاهرة، واتهمت مسؤولة بالمكتب الفني بتسهيل إسناد 4 مشروعات خدمية لشركات محددة، مقابل رشاوى ومزايا غير قانونية، وانتهت التحقيقات إلى إحالة المتهمين للمحاكمة الجنائية بعد تقدير أرباح غير مشروعة تجاوزت 9.6 مليون جنيه.

 

تضع القضية محافظة القاهرة أمام سؤال مباشر عن رقابة المال العام داخل المشروعات التي تمس حياة المواطنين اليومية، لأن الوقائع لم ترتبط بمخالفة إدارية محدودة، بل ارتبطت بتسريب قيم تقديرية، وتفصيل تعاقدات، وتنفيذ متدن، وتكاليف إضافية دفعها المواطن من الخدمة ومن الموازنة العامة في الوقت نفسه.

 

تسريب الأسعار حسم المنافسة قبل إعلانها

 

بحسب أوراق القضية، استغلت المتهمة موقعها الوظيفي في الاطلاع على القيم التقديرية للمشروعات داخل مديرية الإسكان، ثم سربت هذه القيم إلى مقاولين متفق معهم مسبقا، فحصلت شركات بعينها على أفضلية مباشرة سمحت لها بتقديم عروض تقل قليلا عن الأسعار المحددة.

 

وبعد ذلك، تحولت المعلومة الداخلية إلى أداة لإلغاء المنافسة الفعلية، لأن المقاول الذي يعرف السعر التقديري قبل غيره لا يدخل مناقصة عادلة، بل يدخل ترتيبا محدد النتيجة، بينما تقف الشركات الأخرى أمام إجراءات تبدو قانونية من الخارج ومغلقة عمليا من الداخل.

 

وفي السياق نفسه، ربط المحامي الحقوقي نجاد البرعي مكافحة الفساد بوجود منظومة تشريعية وإدارية قادرة على سد الثغرات، وقال إن ثغرات القوانين تسمح بتفشي الفساد، وهو توصيف يفسر خطورة تسريب الأسعار عندما تجتمع الصلاحية الوظيفية مع غياب رقابة فعالة.

 

ثم توسعت التحقيقات في رصد استخدام الإسناد بالأمر المباشر بصورة مخالفة، إذ تحول الإجراء الاستثنائي إلى طريق مختصر لترسية مشروعات على مقاس شركات محددة، بينما يفترض قانون التعاقدات العامة أن تحمي قواعد المنافسة والمساواة المال العام من التواطؤ والتفصيل المسبق.

 

الرشاوى صنعت أرباحا غير مشروعة فوق أموال المواطنين

 

لاحقا، أظهرت التحقيقات أن إحدى الشركات دفعت مبالغ مالية تجاوزت 100 ألف جنيه مقابل الحصول على مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية وتطوير منشآت خدمية، وهو ما نقل الواقعة من خانة المجاملة الإدارية إلى جريمة رشوة مرتبطة بعمل وظيفي واضح داخل جهة عامة.

 

كما رصدت أوراق القضية وقائع أخرى حصلت فيها المتهمة على مبالغ أقل وصفت بأنها مكافآت بعد ترسية مشروعات حدائق عامة، لكن التحقيقات اعتبرت هذه المبالغ رشاوى مكتملة الأركان، لأن الدفع جاء بعد خدمة وظيفية غير قانونية مكنت شركات بعينها من المال العام.

 

وبحسب التقديرات الرسمية، تجاوزت الأرباح غير المشروعة للشركات المتورطة 9.6 مليون جنيه، وهو رقم يكشف أن الرشوة لم تكن هدفا منفصلا، بل كانت تكلفة صغيرة لفتح طريق أكبر إلى عقود مربحة جرى تمريرها بعيدا عن منافسة حقيقية.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو شهادة المهندس يحيى حسين عبد الهادي في ملفات إهدار المال العام ذات صلة مباشرة، لأنه واجه سابقا صفقات بيع أصول عامة وقدم بلاغات ضد إهدار مئات الملايين، وقد ظل اسمه مرتبطا بالدفاع عن المال العام لا بتبرير سياسات الحكومة.

 

تنفيذ رديء وموازنة تدفع ثمن الفساد مرتين

 

بعد ترسية المشروعات، كشفت التقارير الفنية جانبا أخطر من القضية، إذ رصدت استخدام مواد أقل جودة من المتفق عليها، ووجود فروق كبيرة بين الأسعار الفعلية والأسعار السوقية، وإدخال بنود إضافية غير مبررة، وحذف أعمال أساسية من دون خفض مواز لقيمة التعاقد.

 

وبناء على ذلك، لم تتوقف الخسارة عند مبلغ الرشوة أو أرباح الشركات، لأن تنفيذ الأعمال بجودة أقل أنتج مشروعات ضعيفة احتاجت إلى صيانة متكررة، خصوصا في مشروعات تطوير الحدائق، فدفعت الموازنة العامة تكلفة التنفيذ الأولى ثم دفعت لاحقا تكلفة إصلاح ما جرى تنفيذه بصورة متدنية.

 

في هذا الإطار، تكشف قراءة الباحث الاقتصادي عمرو عادلي لملفات الإدارة العامة والاقتصاد السياسي أن الفساد لا ينفصل عن ضعف الكفاءة المؤسسية، لأن القرار الإداري عندما يخضع لشبكات المصالح ينتج خدمة أسوأ وتكلفة أعلى ويمنح المستفيد الخاص ربحا على حساب الجمهور.

 

كذلك، اعتمدت النيابة على تسجيلات صوتية وتقارير فنية ومستندات رسمية واعترافات بعض المتهمين، وهي أدلة لا تترك القضية في نطاق الاشتباه، بل تقدم مسارا موثقا يبدأ من تسريب القيم التقديرية وينتهي بترسية المشروعات وتحقيق أرباح غير مشروعة وإضرار مباشر بالمال العام.

 

وفي النهاية، تكشف إحالة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية بتهم الرشوة والتربح والإضرار بالمال العام أن الحكومة لا تواجه فسادا طارئا داخل مكتب صغير، بل تواجه نتيجة طبيعية لبيئة إدارية تسمح بتدوير الاستثناء وتحويله إلى قاعدة، وتترك المواطن يدفع ثمن الخدمة الرديئة مرتين.