يرى د. علي محمد الصلابي أن الإسلام اعتنى بالتربية العقلية عناية واضحة، لأنه يريد عقلا قادرا على النظر والتأمل والتفكر والتدبر، لا عقلا تابعا للظن أو مأسورا للتقليد أو منقادا للأهواء. وقد جعل القرآن الكريم هذا المسار أمرا مباشرا للإنسان، حين دعاه إلى النظر في السماوات والأرض، والسير في الأرض، وتأمل بداية الخلق، وتدبر آيات الكتاب العزيز.
وتبين هذه الرؤية أن العقل ليس طاقة هامشية في تكوين الإنسان، بل هو موضع التكليف وأداة الفهم والتمييز، ولذلك يرتبط صلاح الإنسان بصلاح عقله، كما يرتبط فساد نظرته بانحراف منهج تفكيره. ومن هنا جعل الإسلام طلب العلم وظيفة أساسية للعقل، وربط العلم النافع بالدين والدنيا والنهضة والتمكين.
العقل مناط التكليف وأداة حمل أعباء الدعوة
يرى د. علي محمد الصلابي أن الإسلام ربى العقل على النظر في آيات الله الكونية والشرعية، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إنسانا يعرف كيف يتأمل ويتدبر ويستدل. وقد أرشد القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"، وفي قوله تعالى: "فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا"، وفي قوله تعالى: "لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ".
ومن هذا المنطلق، يصبح العقل إحدى طاقات الإنسان المهمة، ولذلك جعله الله تعالى مناط التكليف. فالإنسان الذي حرم العقل بسبب جنون أو عارض معتبر لا يخاطب بالتكليف كما يخاطب العاقل، لأن التكليف يحتاج فهما وإرادة وتمييزا، ويحتاج قدرة على إدراك الأمر والنهي وتحمل المسؤولية.
كما يربط القرآن الكريم بين المعرفة والمسؤولية، فيقول الله تعالى: "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً". وهذه الآية تجعل الإنسان مسؤولا عن أدوات إدراكه، فلا يتبع ما لا يعلم، ولا يبني موقفه على الجهل أو الهوى.
ويؤكد د. علي محمد الصلابي أن العقل نعمة كبرى يتمكن بها الإنسان من قبول العلم واستيعابه، وأن التعلم وطلب العلم من أهم وظائف هذا العقل. فمن ترك العلم وفرط في الاستزادة منه بقي في ظلام الجهل، وأهمل حق النعمة التي ميز الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات.
ولهذا جاء طلب العلم في الإسلام فريضة على المسلم، كما ورد في الحديث النبوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". فالعلم في الرؤية الإسلامية ليس ترفا، بل طريق لمعرفة الله، وفهم الشريعة، وإصلاح الحياة.
منهج الإسلام في تنقية العقل من الظن والهوى والتقليد
يوضح د. علي محمد الصلابي أن الإسلام لم يدع العقل يتحرك بلا ضوابط، بل وضع له شروطا وقواعد حتى يصل إلى العلم النافع. وأول هذه القواعد تنقية العقل من الوساوس الشيطانية، والأهواء الشخصية، والتفكير المنحرف، والشوائب المضلة، لأن العقل الملوث بهذه المؤثرات لا ينتج معرفة صحيحة.
وبذلك يكون العقل السليم هو العقل الموافق للفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهو العقل المنضبط بمنطلقات الوحي ومقاصد الدين. فهذا العقل يستطيع أن ينتفع بالعلم في شؤون الدين والدنيا، ويستطيع أن يعبد الله على بصيرة، وأن يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض.
وقد وضع الإسلام منهجا لتطهير العقل من العوائق التي تمنعه من التفكير السليم. ويبدأ هذا المنهج بتجريد العقل من المسلمات المبنية على الظن والتخمين والتبعية والتقليد، لأن القرآن حذر من اتباع الظن، فقال تعالى: "إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا".
كما حذر القرآن من التقليد الأعمى الذي يجعل الإنسان تابعا لما ورثه دون فهم أو دليل، فقال تعالى: "قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ". فالعقل المسلم لا يقبل الموروث إلا بعد عرضه على الحق والبرهان.
ثم يلزم الإسلام العقل بالتحري والتثبت، حتى لا يتسرع الإنسان في الحكم على الأخبار والناس والوقائع. وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا"، لأن غياب التثبت يؤدي إلى ظلم الناس ثم الندم.
ويدعو الإسلام العقل أيضا إلى التدبر والتأمل في نواميس الكون، لأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، لا عبثا ولا مصادفة. ومن يتأمل هذا الكون يدرك آثار الحكمة والقدرة، ويتجاوز النظرة السطحية التي ترى الأشياء منفصلة عن خالقها ومقاصده.
كما يوجه الإسلام العقل إلى التأمل في حكمة ما شرع الله لعباده من عبادات ومعاملات وأخلاق وآداب وأسلوب حياة كامل. فالشريعة تنظم حياة الإنسان في السلم والحرب، وفي الإقامة والسفر، وتفتح للعقل باب فهم المصالح والحكم التي تحقق السكينة والطمأنينة والسعادة البشرية.
وفي هذا السياق، يستشهد د. علي محمد الصلابي بقوله تعالى: "يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ"، وبقوله تعالى: "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ"، ليبين أن التشريع قائم على علم وحكمة ورحمة.
وقد غاص علماء الأمة وفقهاؤها عبر العصور في حكم التشريع ومقاصده، وتركوا للعالم رصيدا واسعا في أبواب الفقه الإسلامي والمعاملات بين الناس. وكان هذا التراث سببا في سعادة الدنيا والآخرة لمن التزم بالمنهج الرباني، لأنه جمع بين صلاح الاعتقاد وصلاح السلوك والمعاملة.
سنن التاريخ وآثار التربية العقلية في بناء العلم النافع
يدعو الإسلام العقل إلى النظر في سنة الله في الناس عبر التاريخ البشري، حتى يتعظ الإنسان بتاريخ الآباء والأجداد والأسلاف، ويفهم سنن الله في الأمم والشعوب والدول. وقد قال تعالى: "أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ"، فالتاريخ في القرآن مجال للعبرة لا للتسلية.
كما يذكر القرآن أن أمما سابقة كانت أشد قوة، وأثارت الأرض، وعمرتها أكثر مما عمرها غيرها، ثم جاءتها الرسل بالبينات، فلما ظلمت نفسها نزل بها جزاء الله. وهذا المعنى يربي العقل على فهم العلاقة بين الإيمان والعمل والعدل من جهة، وبين الظلم والهلاك من جهة أخرى.
ويرى د. علي محمد الصلابي أن هذا المنهج الرباني يحمي العقل من التيه الذي ضل فيه كثير من الفلاسفة الذين قدسوا العقل وأعطوه أكثر مما يستحق. فالإسلام لا يلغي العقل ولا يرفعه فوق الوحي، بل يهديه بالوحي، ويجعله يعمل في مجاله الصحيح دون انحراف.
وتظهر الآثار العملية لهذا التوجيه في تنقية العقل من الوهم والخرافة والدجل والمسلمات المبنية على الظنون والأوهام. كما يربي الإسلام العقل على التريث والتثبت، حتى لا يتسرع الإنسان فيظلم غيره ثم يندم، لأن الندم بعد وقوع الظلم لا يرفع كل آثاره.
وتظهر هذه الآثار أيضا في تعويد العقل على إدراك حقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان، وإلزامه بأن يتعرف على الحق عن قرب ويقين. فالعقل المسلم لا يكتفي بالمظاهر، ولا يرضى بالمعرفة الناقصة، بل يطلب الحقيقة من مصدر صحيح وبمنهج منضبط.
كما يحض الإسلام العقل على التأمل في حكمة الله سبحانه وتعالى فيما شرعه للناس من منهج ونظام، لأن هذا التأمل يساعد الإنسان على إدراك طريق السعادة في الدنيا والآخرة. ويجعل العقل قادرا على المقارنة الدقيقة بين الإيمان والكفر، وبين أعمال المؤمنين وضلال الكافرين.
وضمن هذه الشروط والضوابط، يمكن تحصين العقل من الانحراف المنهجي في التفكير والحكم على الحوادث والظواهر التي تحيط بالإنسان. وبذلك تصبح نظرة المسلم لما حوله ربانية، لا دنيوية مادية مجردة، فيفهم الوقائع من خلال السنن الشرعية والكونية معا.
ومن هنا يعرف د. علي محمد الصلابي العلم النافع بأنه العلم الذي ينفع المسلم في دينه ودنياه. فهو العلم الذي يفهم به عقيدته، وأصول الفقه، والعبادات، والمعاملات، والأحكام، والأخلاق، وهو العلم الذي يهديه إلى عبادة الله والعمل بشرعه.
ولا يقتصر العلم النافع على العلوم الشرعية، بل يشمل ما يعين المسلم على شؤون دنياه، وما يجعله مواكبا لمستوى عصره العلمي والمعرفي. ويشمل كذلك العلوم الطبيعية والتطبيقية التي تمنح الأمة قدرة على المشاركة في التقدم العلمي البشري وخدمة الناس.
ولهذا يقرر د. علي محمد الصلابي أن العلم النافع بشقيه الديني والدنيوي شرط للنصر والنهضة والتمكين للأمة الإسلامية. فالأمة التي تهمل عقلها وعلمها تفقد أسباب القوة، أما الأمة التي تربي عقلها بالوحي، وتطلب العلم النافع، وتتحرر من الظن والخرافة والتقليد، فإنها تملك طريق الإصلاح والبناء.

