حذّر أهالي مناطق عزبة حمد وكفر حجازي في محافظة الغربية من تمدد ورد النيل داخل بحر شبين، أحد المجاري المائية المتفرعة من نهر النيل، بعد أن غطت الحشائش سطح المياه في مساحات واسعة، وهددت مياه الشرب والري وحركة الصيد والثروة السمكية داخل المجرى.

 

تكشف الأزمة في بحر شبين فشلًا حكوميًا مباشرًا في إدارة المجاري المائية المحلية، لأن وزارة الري وهيئة حماية نهر النيل تملكان أدوات التطهير والرقابة، لكن ترك ورد النيل يتكاثر بهذا الشكل يحول الماء إلى مصدر خطر على الفلاحين والصيادين والأهالي بدل أن يكون موردًا عامًا محميًا.

 

بحر شبين بين الشرب والري والحشائش المتراكمة

 

في البداية، يمثل بحر شبين شريانًا مائيًا مهمًا داخل محافظة الغربية، لأنه يخدم مناطق سكنية وزراعية تعتمد على المياه في الشرب وري الأراضي. ولذلك يتحول انتشار ورد النيل داخله من مشهد بيئي عابر إلى تهديد عملي للمياه التي يستخدمها الأهالي والفلاحون يوميًا.

 

وبحسب شكاوى الأهالي، زادت كثافة ورد النيل على طول المجرى حتى غطت المياه بالكامل في بعض النقاط، خصوصًا في عزبة حمد وكفر حجازي. ويعني هذا الغطاء النباتي الكثيف أن حركة المياه لم تعد طبيعية، وأن التراكم المستمر يسبق أي تدخل حكومي فعال لإزالة الحشائش.

 

ثم يضاعف هذا الوضع خطر نقص المياه، لأن ورد النيل معروف بزيادة الفاقد المائي عبر البخر والنتح، وقد أشارت تقارير بيئية إلى أن النبات يرفع فقد المياه مقارنة بالمسطحات المفتوحة، كما يهدد قنوات الري والمصارف ومناطق الصيد عندما يترك دون مكافحة منتظمة.

 

ولأن مصر تعاني أصلًا من ضغط مائي حاد، فإن إهمال مجرى مثل بحر شبين لا يمكن فصله عن سوء الإدارة العامة للموارد. وقد قال الخبير نادر نور الدين إن مصر تواجه هدرًا كبيرًا في المياه، وربط المشكلة بسوء الاستخدام وغياب الثقافة المائية، بما يجعل كل متر مكعب مهددًا أكثر أهمية.

 

لذلك، تبدو مطالبة الأهالي بتدخل عاجل من مسؤولي الري وهيئة حماية نهر النيل مطالبة بحق أساسي وليست طلبًا خدميًا محدودًا. فالمجرى الذي يترك حتى يصبح سطحه أقرب إلى أرض مزروعة يكشف خللًا في جدول التطهير وفي متابعة الشكاوى وفي محاسبة المسؤولين المحليين.

 

الثروة السمكية والصيادون تحت ضغط الإهمال

 

بعد اتساع الغطاء النباتي، يتعرض النظام البيئي داخل بحر شبين لضغط مباشر، لأن ورد النيل يحجب الضوء عن المياه ويخفض الأكسجين الذائب. وتوضح دراسات علمية أن الكتل الكثيفة من هذا النبات تقلل الأكسجين وتضر الكائنات المائية، وهو ما يفسر مخاوف الأهالي من نفوق الأسماك.

 

وعلى المستوى اليومي، يواجه الصيادون صعوبة في دخول المجرى أو تحريك القوارب أو إلقاء الشباك، لأن الحشائش تعترض الطريق وتمنع الوصول إلى مناطق الصيد. وبذلك يتحول ورد النيل من مشكلة بيئية إلى أزمة رزق تمس أسرًا تعتمد على الصيد كمصدر دخل مباشر.

 

وفي هذا السياق، حذر أستاذ الموارد المائية عباس شراقي من خطورة ورد النيل على الموارد المائية، وأشار إلى أن النبات تسبب في أزمات كبرى بدول حوض النيل عندما تحركت كتل الأعشاب العائمة نحو منشآت حيوية. ويؤكد هذا التحذير أن ترك الحشائش في بحر شبين ليس تفصيلًا محليًا صغيرًا.

 

كما أن تعفن المياه تحت الغطاء النباتي يزيد مخاطر التلوث والروائح وتدهور صلاحية المياه للاستخدام، خصوصًا عندما تتراكم المخلفات بين الجذور العائمة. ويعني ذلك أن إهمال التطهير لا يضر الصياد وحده، بل يضرب جودة المياه التي تصل إلى المواطنين والأراضي الزراعية.

 

ومن ناحية أخرى، يوفر ورد النيل بيئة مناسبة لاختباء الزواحف والحشرات والقواقع، وهو ما يفتح بابًا لمخاطر صحية إضافية. وقد ربطت دراسات منشورة بين النباتات الغازية المائية وتغير الظروف البيئية التي تساعد عوائل البلهارسيا، كما سجلت أبحاث عن النيل عوامل تؤثر في وجود القواقع الناقلة للمرض.

 

غياب التطهير المنتظم يحول الأزمة إلى إدانة حكومية

 

بالتوازي مع الأضرار البيئية والمعيشية، يحمّل الأهالي مسؤولي الري وهيئة حماية نهر النيل مسؤولية ترك ورد النيل ينمو ويتكاثر دون إزالة مستمرة. ويستند هذا الغضب إلى واقع ظاهر، لأن النبات لا يغطي المجرى بين ليلة واحدة، بل يحتاج إلى فترة تكاثر تكشف غياب المتابعة.

 

وبينما تعلن الحكومة مشروعات تطوير وتجميل على ضفاف المجاري المائية، يظل جوهر الأزمة في المياه نفسها دون معالجة كافية. فقد نشرت بوابة الأهرام خبرًا عن تطوير كورنيش كفر حجازي المطل على بحر شبين بتكلفة 38 مليون جنيه، بينما تكشف شكاوى الأهالي أن التطهير أهم من المظهر.

 

كذلك، قال وزير الري الأسبق محمد نصر علام في تصريحات متداولة عن ملف المياه إن إدارة المورد المائي تحتاج إلى دقة وكفاءة، وطرح قضية ترشيد نصيب الفرد من المياه في سياق الضغط على الموارد. ويجعل هذا الكلام إهمال ورد النيل تناقضًا واضحًا مع أي خطاب رسمي عن ترشيد المياه.

 

وعندما تنفق الدولة على مشروعات شكلية ولا تضمن إزالة نبات يلتهم المياه ويخنق الأسماك، فإنها تنقل التكلفة إلى المواطنين مباشرة. فالفلاح يدفع ثمن نقص الري، والصياد يدفع ثمن تعطل الصيد، والأهالي يدفعون ثمن تدهور جودة المياه وغياب الاستجابة السريعة.

 

في النهاية، لا يحتاج بحر شبين إلى بيانات مطمئنة أو وعود موسمية، بل يحتاج إلى تطهير عاجل وجدول صيانة معلن ورقابة محلية ومحاسبة واضحة لكل جهة تركت المجرى يتحول إلى كتلة من ورد النيل. فالحكومة التي تفشل في حماية مجرى مائي داخل الغربية تفشل في حماية حق الناس في الماء والعمل والصحة.