أعلن رئيس شعبة الدواجن سامح السيد في القاهرة صدور قرار رسمي باعتبار هياكل الدواجن من المخلفات الغذائية ومنع تداولها للاستهلاك الآدمي، وقال إن الهيئة العامة للمواصفات والجودة أكدت أن هياكل الدواجن لا تكون صالحة للاستهلاك الآدمي بعد مرور 3 أيام على الذبح كحد أقصى، بما يضع الأسواق الشعبية أمام حظر سلعة اعتمدت عليها أسر فقيرة كبديل رخيص للبروتين.
يكشف القرار أزمة أعمق من بند سلامة غذائية، لأن الحكومة تحظر أرخص بدائل الدواجن من دون إعلان بديل مدعوم أو خطة غذاء للفئات محدودة الدخل، بينما تواصل أسعار الفراخ واللحوم والبيض الضغط على البيوت، وتدفع الأسر إلى تقليل البروتين أو البحث عن أصناف أقل جودة وأكثر خطورة.
قرار صحي يكشف فوضى سوق لا تحمي الفقير
في البداية، قال سامح السيد إن الاجتماع تناول مخالفات مرتبطة بتداول هياكل الدواجن خارج الإطار الرسمي، وإن بعض الحالات شهدت إعادة فرمها داخل معدات غير مخصصة، بما قد ينعكس سلبا على سلامة المنتجات النهائية وصحة المستهلكين، وهذا يضع مسؤولية الرقابة قبل مسؤولية المستهلك الفقير.
وبعد ذلك، أوضح السيد أن صلاحية الدواجن الطازجة للاستهلاك تصل إلى 6 أيام كحد أقصى وفق الاشتراطات المحددة، بينما لا تتجاوز صلاحية هياكل الدواجن 3 أيام، وهو فارق يكشف خطورة تداولها في الأسواق الشعبية من دون تبريد وفحص وسلاسل نقل آمنة.
لكن القرار لم يصدر داخل سوق منضبط يوفر للمواطن بدائل ميسورة، بل جاء في سوق يدفع الفقراء إلى شراء الأقل سعرا، لأن اللحوم البيضاء صارت عبئا على شرائح واسعة، ولأن الحكومة عجزت عن ضبط تكلفة الأعلاف والنقل والطاقة وهوامش البيع النهائية.
وفي المقابل، نفى اتحاد منتجي الدواجن دقة الحديث عن تصنيف هياكل الدواجن كمخلفات، وقال إن الدواجن الكاملة لها مواصفة والأجزاء لها مواصفة، وإن أي جديد يخص هيئة سلامة الغذاء، وهذا التضارب بين الشعبة والاتحاد يكشف ارتباكا مؤسسيا في ملف يمس طعام الناس.
لذلك، تبدو المشكلة في طريقة إدارة القرار لا في مبدأ السلامة وحده، لأن سلعة تباع للفقراء منذ سنوات لا تختفي ببيان متضارب، بل تحتاج إلى إعلان رسمي واضح، ورقابة معلنة، وخطة بديلة تمنع انتقال المستهلك إلى منتجات مجهولة أو أسوأ.
وجبة الفقراء تختفي بينما أسعار الدواجن تلاحق الدخل
في السياق نفسه، كانت هياكل الدواجن تباع في أسواق شعبية بأسعار منخفضة وتستخدمها أسر في إعداد الشوربة والوجبات المنزلية، لأن هذه الأسر لا تبحث عن رفاهية غذائية، بل تبحث عن أي مصدر بروتين يمكن إدخاله إلى البيت مع عجز الدخل عن ملاحقة الأسعار.
ومع ارتفاع أسعار البروتين الحيواني، كشفت منصة متصدقش أن دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2022 أظهرت أن 74% من الأسر المصرية خفضت استهلاكها من السلع الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار، وأن 90% من الأسر خفضت استهلاكها من البروتينات.
كما أظهر عرض آخر لنتائج الدراسة نفسها أن 68% من الأسر خفضت استهلاكها من البيض، و57% خفضت استهلاكها من الخضروات، و69% خفضت استهلاكها من الفاكهة، وهذه الأرقام تعني أن أزمة الغذاء لا تقف عند الدواجن بل تضرب سلة الطعام كلها.
ومن جهة صحية، قال الدكتور أحمد الورداني، استشاري التغذية العلاجية، إن عدم تناول البروتين يؤدي إلى نقص في النمو وضعف في العضلات ويؤثر على الصحة، وهذا يجعل منع بديل رخيص من دون تعويض غذائي قرارا يضاعف أثر الغلاء على الأطفال والفقراء.
وبناء على ذلك، لا يكفي أن تقول الدولة إن المنتج خطر، لأن السؤال الذي يواجه الأسر هو كيف تحصل على بروتين آمن بسعر مناسب، وإذا غابت الإجابة فإن القرار ينقل الأزمة من طبق الفقراء إلى أجسادهم، لا إلى منظومة غذاء أكثر عدلا.
الأعلاف والرقابة والبدائل أصل الأزمة لا الهياكل وحدها
على مستوى تكلفة الإنتاج، قال الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، إن الأعلاف تمثل 70% من تكلفة إنتاج الدواجن والبيض، وإن أسعار الأعلاف ارتفعت أكثر من 25% خلال أسبوعين، كما شملت الزيادات المحروقات والوقود والطاقة والكهرباء.
ومن هذه الزاوية، يصبح منع الهياكل معالجة لآخر حلقة في الأزمة، بينما تترك الحكومة حلقاتها الأولى بلا علاج جاد، لأن العلف المستورد والدولار والطاقة والنقل والرقابة على الأسواق هي العناصر التي رفعت سعر الفرخة وأجبرت الفقير على شراء ما تبقى منها.
كذلك، أكد الدكتور عبد العزيز السيد أن مستلزمات الإنتاج تمثل نحو 70% من تكلفة صناعة الدواجن، وأن استقرار الصناعة يحتاج إلى سعر عادل يغطي التكلفة الفعلية ويضمن هامش ربح بسيط، وهذا يعني أن جذور الغلاء معروفة وليست لغزا فنيا.
في المقابل الاجتماعي، أشار تقرير عن الأمن الغذائي في مصر إلى زيادة اعتماد الأسر المصرية على الدواجن كبديل أقل تكلفة من اللحوم الحمراء وسط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، قبل أن يتراجع متوسط استهلاك الفرد من الدواجن بعد ذروته في 2021.
لهذا، يكشف قرار هياكل الدواجن أن الحكومة تضبط المنع أسرع مما تضبط الإتاحة، فهي قادرة على إعلان الحظر والتحذير، لكنها لا تعلن قوافل بروتين مدعوم، ولا منافذ كافية بأسعار حقيقية، ولا رقابة تمنع رفع الأسعار بعد كل موجة شائعات أو نقص.
ثم يأتي سؤال البدائل باعتباره جوهر الملف، لأن السلامة الغذائية لا تتحقق بحظر سلعة خطرة فقط، بل تتحقق عندما يجد الفقير بديلا آمنا ومتاحا، وعندما تعرف الأسواق أن الدولة ستراقب التخزين والنقل والتسعير لا أنها ستترك المواطن وحده أمام الغلاء.
أخيرا، لا يدافع أحد عن بيع غذاء غير صالح للمواطنين، لكن الحكومة تتحمل مسؤولية وصول الفقراء إلى هذه النقطة، لأن الأسرة التي تشتري هياكل الدواجن لا تختار الخطر طواعية، بل تدفعها أسعار اللحوم والفراخ والبيض إلى آخر بديل في السوق، ثم يأتي القرار ليحظره من دون تعويض واضح.

