قاسم قصير

باحث وكاتب سياسيي من لبنان

 

كل الأنظار العربية والدولية تتجه هذه الأيام إلى ثلاث مناطق هامة تختصر الصراعات والحروب الدائرة اليوم، الأولى منطقة مضيق هرمز والذي يختصر الصراع الأمريكي- الإيراني اليوم وفيه تتركز أزمات العالم العربي وكل الأوضاع الإقليمية والدولية؛ لأنه على ضوء الصراع في هذا المضيق سنشهد مرحلة جديدة عربيا وإقليميا ودوليا، والثانية تتركز في منطقة جنوب لبنان وأبرز نماذجها مدينة بنت جبيل، حيث نشهد الصراع بين المقاومة الإسلامية من جهة والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى، وعلى ضوء هذا الصراع والمفاوضات الدائرة في واشنطن سيتقرر مصير الحرب بين لبنان والكيان الصهيوني. والمنطقة الثالثة في قطاع غزة، حيث تستمر الحرب الإسرائيلية على هذا القطاع، وعلى ضوء مصير هذا الصراع والجهود التي تبذل للوصول إلى حلول لهذه الحرب سيتقرر مصير المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية.

 

لكن هل يمكن اختصار المشهد العربي في هذه القضايا الثلاث؟ وأين هو المشروع العربي اليوم في ظل ما تواجهه الدول العربية من أزمات مختلفة؟ وهل هناك طريق ما للخلاص من هذه الأزمات؟ وما هي أبرز الأزمات والأسئلة التي تطرح اليوم حول المصير العربي والمشروع العربي والقضايا العربية؟

 

رغم أهمية الصراعات والحروب التي أشرنا إليها بداية في مضيق هرمز وجنوب لبنان وقطاع غزة، والتي تشكل جوهر الصراع بين المشروع الأمريكي- الإسرائيلي من جهة والمشروع العربي والإسلامي المقاوم من جهة أخرى، فإن ذلك لا يعني أبدا أن كل القضايا العربية يمكن اختزالها في هذه القضايا، لأن الناظر إلى الواقع العربي اليوم يلحظ بوضوح الحجم الكبير للأزمات والقضايا التي يعاني منها العالم العربي اليوم.

 

ففي فلسطين لا تقتصر المشكلة فقط على قطاع غزة بل هي تمتد إلى كامل التراب الفلسطيني، وما يجري في القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة في العام 1948 لا يقل خطورة عما يجري قي قطاع غزة، وكل المؤشرات تؤكد المخاطر الكبرى على القضية الفلسطينية ومستقبل القدس والمسجد الأقصى في ظل سياسة التهويد والإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني.

 

وتمتد الأزمات العربية إلى دول أخرى ومنها سوريا التي تعاني من استمرار الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المستمر على أراضيها والتدخل في الشؤون السورية في ظل مساعي الحكم القائم اليوم على إعادة بناء سوريا على أسس جديدة، لكن عملية البناء تواجه تحديات مختلفة داخلية وخارجية.

 

وتمتد الأزمات إلى السودان الذي يعاني من حرب أهلية وأزمات مختلفة أمنية واقتصادية وسياسية، في حين أن الوضع في ليبيا لم يستقر نهائيا، كما أن الأوضاع في اليمن لا تزال تحت وطأة الصراعات المستمرة منذ عدة سنوات، والعراق لا يزال يبحث عن الاستقرار السياسي والأمني وقد تركت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران تأثيراتها الأمنية والاقتصادية عليه.

 

وأما دول الخليج فهي لا تزال تحت وطأة الحرب في المنطقة كما أنها تواجه تحديات داخلية عديدة، في حين أن بقية الدول العربية لكل منها مشكلاتها وتحدياتها الداخلية والخارجية، في ظل غياب أي دور فاعل لجامعة الدول العربية والمؤسسات العربية الوحدوية أو مجلس التعاون الخليجي واستمرار الأزمات في دول المغرب العربي وفيما بينها.

 

على ضوء هذه الصورة المختصرة يصبح السؤال حول المشروع العربي وآفاقه وتحدياته أمرا طبيعيا. وقد صدر مؤخرا في بيروت كتاب جديد للدكتور ساسين عساف عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان: مشروع النهوض العربي-أفكار في التجدد الحضاري، ولم ينل هذا الكتاب حقه في النقاش والحوار بسبب اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وعودة الحرب الإسرائيلية على لبنان.

 

وفي هذا الكتاب يحاول الدكتور ساسين عساف استعراض أهم المشاريع العربية للنهوض بعد استعراض عناصر المشروع العربي النهضوي وخصوصا الوحدة والديمقراطية والسيادة والاستقلال، كما أنه يعيد تعريف العروبة وتحولاتها التاريخية ويستعرض تطور الحركة القومية العربية والأفكار التي طرحت من أجل التجدد الحضاري والمواقف العربية من أهم القضايا التي واجهها العالم العربي خلال الأعوام المائة الأخيرة.

 

ويعرض الدكتور ساسين عساف لمشروع الرئيس جمال عبد الناصر ولعدد كبير من المفكرين العرب الذين حاولوا تجديد المشروع العربي النهضوي وللثورات العربية المختلفة، وصولا للربيع العربي ونتائجه.

 

وعلى ضوء تقييمه لكل الأفكار والتجارب العربية السابقة يحاول الدكتور ساسين عساف أن يعيد تحديد أسس المشروع النهضوي العربي اليوم، والذي يتجلى في الوحدة والديمقراطية ومواجهة الاحتلال والتجدد الحضاري والعلمي وبناء المجتمع المقاوم.

 

هذه الأفكار التي يطرحها الدكتور ساسين عساف في كتابه سبق أن تبنتها معظم الأحزاب والحركات العربية القومية واليسارية والإسلامية والليبرالية، ولكن للأسف نجد اليوم أن أزمات العالم العربي قد ازدادت وأصبح الحفاظ على وحدة الدول يتقدم على الوحدة العربية، وحماية النظام السياسي أهم من كل الحريات وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية، واللجوء إلى الخارج هو السبيل لحل المشاكل الداخلية.

 

كل ذلك يؤكد الحاجة الماسة اليوم لإجراء تقييم شامل للواقع العربي والإسلامي وإعادة البحث بعمق في أسباب الأزمات التي نواجهها أو واجهناها طيلة الأعوام المائة الماضية، لعل ذلك يفتح الطريق أمام مشروع عربي نهضوي جديد أو البحث عن رؤية جديدة من خارج الصندوق.

 

فهل ستؤدي الأزمات والحروب القائمة اليوم إلى رؤية عربية إسلامية جديدة من أجل النهوض والتحرر؟ أو أن هذه الحروب ستأخذ عالمنا العربي إلى المزيد من الأزمات والرهان على القوى الخارجية؟

 

أسئلة عديدة تطرح اليوم أبعد من كل الأزمات الحاضرة، على أمل أن تتوفر الفرصة لحوار عربي شامل وقادر على التفكير برؤية جديدة تنفذنا من هذا المأزق الخطير.