كشفت تقارير اقتصادية أن مصر مطالبة بسداد نحو 5.25 تريليون جنيه ديونًا مستحقة، في رقم يضع الموازنة العامة تحت ضغط غير مسبوق، ويكشف نتيجة سنوات من الاقتراض المكثف وتمويل المشروعات بالديون.

 

وتأتي الفاتورة الجديدة بينما يواجه المصريون غلاءً وخفضًا للدعم وضرائب ورسومًا متزايدة، لأن حكومة السيسي حولت خدمة الدين إلى أولوية فوق الصحة والتعليم والأجور والاستثمار المنتج.

 

فاتورة ديون تضغط على الموازنة وتكشف أزمة الاقتراض

 

أظهرت أرقام الديون المستحقة أن مصر تقف أمام فاتورة سداد ضخمة تقترب من 5.25 تريليون جنيه، وهو رقم لا يمكن فصله عن توسع الحكومة في الاقتراض الداخلي والخارجي خلال السنوات الماضية، مع ارتفاع تكلفة الفائدة وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية كافية.

 

وبحسب الجزيرة، تبلغ أعباء الدين العام في الموازنة المصرية نحو 4.4 تريليون جنيه، موزعة بين 2.3 تريليون جنيه فوائد دين و2.1 تريليون جنيه أقساط دين، بما يعادل 141% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة.

 

ثم تظهر خطورة الرقم عندما يقارن المواطن بين خدمة الدين وحجم الإيرادات العامة، لأن الدولة تجمع الضرائب والرسوم ثم تحول الجانب الأكبر منها إلى الدائنين، بينما تواصل الحكومة الحديث عن الإصلاح الاقتصادي وتطلب من المصريين تحمل مزيد من التضخم والرفع التدريجي للأسعار.

 

وفي السياق نفسه، كشفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن فوائد الديون المحلية والأجنبية تستحوذ على نحو 91% من حصيلة الضرائب المتوقعة في موازنة 2024/2025، واعتبرت أن دافعي الضرائب يمولون أرباح مقرضي الدولة في الداخل والخارج.

 

وبناء على هذه الأرقام، لم تعد أزمة الدين مجرد بند محاسبي داخل الموازنة، لأن كل جنيه يذهب إلى الفوائد والأقساط يزاحم الإنفاق على المدارس والمستشفيات والأجور والدعم، ويجعل المواطن يدفع ثمن قرارات اقتراض لم يشارك في تحديد أولوياتها.

 

كما أوضح وزير المالية أحمد كجوك أن حجم دين قطاع الموازنة يبلغ 77.5 مليار دولار، وأن الحكومة تستهدف خفض المديونية الخارجية بهدف خلق مساحة مالية للخدمات الأساسية، لكن التصريح نفسه يعترف بأن الدين أغلق المساحة المالية التي يحتاجها المواطن.

 

الديون الخارجية تضيف ضغط الدولار إلى أزمة الجنيه

 

على الجانب الخارجي، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 8.8 مليارات دولار خلال 2025 ليصل إلى 163.9 مليار دولار بنهاية العام، بعد أن كان 155.1 مليار دولار بنهاية 2024، وفق إنفوغراف نشرته الشرق بلومبرغ عن تطور الدين الخارجي.

 

وبسبب هذا الارتفاع، تواجه الحكومة جدول سداد ثقيلًا بالعملة الصعبة، إذ ذكرت العربية أن مصر أمام استحقاقات ديون خارجية بقيمة 50.8 مليار دولار حتى سبتمبر 2026، وهو رقم يضغط على الاحتياطي الأجنبي وسعر الصرف وتدفقات الاستثمار.

 

كذلك أورد العربي الجديد أن مصر مطالبة بسداد 16 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2026، ونحو 10.6 مليارات دولار في الربع الثالث، و12 مليار دولار في الربع الأخير، بما يعني أن شهور العام تتحول إلى سباق دائم مع الدائنين.

 

ومع هذا الجدول، لا تستطيع الحكومة فصل أزمة الدين عن أزمة العملة، لأن كل استحقاق خارجي يحتاج دولارًا، وكل ضغط على الدولار ينعكس على الجنيه والأسعار والاستيراد، ثم يعود المواطن ليدفع الفارق في الغذاء والدواء والطاقة والنقل.

 

في المقابل، أعلنت رويترز أن مصر ستسدد 1.3 مليار دولار من مستحقات شركات النفط الأجنبية بحلول يونيو 2026، بعد تراكم متأخرات بلغت نحو 6.1 مليارات دولار في يونيو 2024 بسبب نقص العملة الأجنبية، ما يكشف اتساع دائرة الدائنين.

 

ولهذا، يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة في تصريحات سابقة أن إعادة جدولة ديون مصر مع صندوق النقد على فترات ميسرة قد تكون ضرورية، بعدما أشار إلى وصول الديون الخارجية لمستويات ضخمة موزعة بين الحكومة والبنك المركزي والبنوك والهيئات.

 

المواطن يسدد فاتورة ديون لم تصنع إنتاجًا

 

في البعد الاجتماعي، تتضح قسوة الأزمة عندما تقول المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن نصيب الفرد من مدفوعات فوائد الديون الحكومية المتضخمة يبلغ 17.2 ألف جنيه سنويًا، بينما يقل نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على الصحة عن 1,900 جنيه سنويًا.

 

ومن هذه الزاوية، لا تبدو موازنة السيسي موازنة خدمات، بل موازنة دائنين، لأن الحكومة تتحدث عن الحماية الاجتماعية بينما تذهب حصيلة الضرائب تقريبًا إلى الفوائد، وتترك المواطن أمام مستشفى مزدحم ومدرسة فقيرة وراتب لا يلحق بالأسعار.

 

وفي قراءة ناقدة للسياسات المالية، كتبت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن الحكومة تتجاهل مخاطر الدين العام، وأن خفض العجز والدين يحتاج سياسات حقيقية لا تدويرًا للمشكلة داخل البنوك وأدوات التمويل، وهي رؤية تفسر انفجار الفاتورة الحالية.

 

ومن ناحية أخرى، يوضح تقرير الجزيرة عن أعباء الدين العربية أن مصر تسجل عجزًا في الموازنة العامة يبلغ 1.5 تريليون جنيه، بالتوازي مع أعباء دين تصل إلى 4.4 تريليون جنيه، ما يجعل الاقتراض الجديد أداة لسداد القديم لا لبناء اقتصاد منتج.

 

وبالتوازي مع ذلك، لا تقدم الحكومة كشف حساب واضحًا للمشروعات التي ابتلعت القروض، ولا تعلن مراجعة سياسية للإنفاق على العاصمة الإدارية والطرق والكباري والمشروعات العقارية، بينما تطالب المواطن بالصبر وتخفض الدعم وتفرض رسومًا جديدة.

 

لذلك تصبح فاتورة 5.25 تريليون جنيه عنوانًا لفشل اقتصادي أوسع، لأن النظام استبدل الإنتاج بالاقتراض، واستبدل الرقابة البرلمانية بالموافقة السريعة، واستبدل حق المواطن في الخدمات بمواعيد سداد لا تنتهي للدائنين في الداخل والخارج.

 

وفي الخلاصة، لا تواجه مصر أزمة سيولة عابرة، بل تواجه نتيجة مباشرة لسياسة حكم جعلت الدين وسيلة إدارة يومية، ثم تركت المصريين أمام فاتورة تريليونية تبتلع الضرائب والدعم والخدمات، بينما يواصل النظام بيع الوهم باسم الإصلاح والاستقرار.