كشف مسؤول كبير في البنتاغون أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب أن الحرب الأمريكية على إيران كلفت واشنطن نحو 25 مليار دولار حتى أبريل، معظمها للذخائر، وهي أول فاتورة رسمية معلنة للحرب.
وأعاد الرقم سؤال العودة إلى الحرب إلى قلب السياسة الأمريكية، لأن ترامب وإدارته يدفعان دافع الضرائب نحو نزاع مفتوح، بينما ترتفع أسعار الوقود وتتراجع شعبية الحرب وتكبر كلفة أي جولة جديدة.
25 مليار دولار لا تكشف الفاتورة كاملة
أعلن جولز هيرست، القائم بأعمال المراقب المالي في البنتاغون، أن تكلفة الحرب الأمريكية على إيران بلغت نحو 25 مليار دولار حتى الآن، وقال أمام لجنة القوات المسلحة إن معظم الأموال ذهبت إلى الذخائر، بعد حرب بدأت في 28 فبراير.
وبحسب وول ستريت جورنال، شملت الكلفة ذخائر الضربات الجوية، وتشغيل الطائرات والسفن، واستبدال معدات مدمرة، بينما لم يطلب البنتاغون حتى الآن تمويلًا خاصًا بالحرب من الكونغرس، رغم أن وزارة الدفاع رفعت إلى البيت الأبيض طلبًا بقيمة 200 مليار دولار في مارس.
ثم دافع وزير الدفاع بيت هيغسيث عن الإنفاق أمام الكونغرس، وقال إن الحرب ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه واجه انتقادات حادة من نواب ديمقراطيين اعتبروا أن الإدارة أخفت الكلفة وأدخلت البلاد في حرب بلا مسار واضح.
في المقابل، رحب النائب آدم سميث بإعلان الرقم بعد أسابيع من الغموض، لكنه أشار إلى أن التقديرات السابقة تحدثت عن 11.3 مليار دولار في أول 6 أيام فقط، وهو فارق يطرح شكوكا حول طريقة حساب البنتاغون للتكلفة الفعلية.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار رقم 25 مليار دولار سقفًا للحرب، لأن الرقم يمثل فاتورة معلنة حتى لحظة محددة، بينما لا تظهر داخله كل تكاليف الإمداد الطويل، وتآكل المخزون، والرعاية الطبية، والفوائد على الديون، وتعويضات الجنود بعد انتهاء المعارك.
العودة للحرب قد تبدأ من 25 مليارًا وتصل إلى طلب الـ200 مليار
إذا عادت واشنطن إلى ضربات واسعة ضد إيران بنفس مستوى الشهرين الأولين، فإن متوسط الكلفة المعلنة يقترب من 12.5 مليار دولار شهريًا، لأن البنتاغون تحدث عن 25 مليار دولار خلال نحو شهرين، وهذا تقدير حسابي لا رقم رسمي جديد.
وبناء على تقديرات وول ستريت جورنال، قد تكون جولة جديدة قصيرة أقل من 25 مليار دولار إذا اقتصرت على ضربات محدودة، لكنها قد تتجاوز 25 إلى 35 مليار دولار سريعًا إذا شملت ذخائر دقيقة، وحماية قواعد، وتحريك سفن وطائرات، واستبدال معدات.
كما أن طلب البنتاغون 200 مليار دولار إلى البيت الأبيض في مارس يضع سقفًا سياسيًا أخطر، لأن هذا الطلب لا يعني أن جولة واحدة ستكلف هذا الرقم فورًا، لكنه يكشف أن المؤسسة العسكرية تستعد لحرب طويلة وتمويل يتجاوز إعلان الـ25 مليار.
وبحسب تقديرات نشرها مركز القوات الجوية والفضائية، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 1,000 صاروخ جوال من طراز جاسم وأكثر من 1,000 صاروخ توماهوك، إضافة إلى نحو 1,000 صاروخ باتريوت واعتراضات أخرى، ما يجعل العودة للحرب مرتبطة بتكلفة إعادة ملء المخازن.
لذلك، تبدو كلفة العودة للحرب مرشحة للتحرك في 3 مستويات، مستوى محدود بعشرات المليارات، ومستوى ممتد يقترب من طلب 200 مليار دولار، ومستوى طويل يفتح باب التزامات تمتد سنوات بسبب الإصابات والرعاية وتعويضات المحاربين القدامى.
وفي هذا الإطار، حذر ويليام هارتنغ، الباحث في ميزانية الدفاع وصناعة السلاح، من أن طلب 200 مليار دولار للبنتاغون يعني حربًا أطول وأموالًا أكبر لصناعة السلاح، وربط بين استمرار الحرب واتساع الإنفاق العسكري على حساب الأولويات الداخلية.
فاتورة النفط والجنود تضاعف ثمن الحرب داخليًا
بالتزامن مع إعلان الـ25 مليار دولار، قالت رويترز إن الحرب أحدثت اضطرابات كبيرة في النفط والغاز، ورفعت أسعار البنزين والأسمدة، وأربكت حسابات الجمهوريين الانتخابية، كما أشارت إلى مقتل 13 جنديًا أمريكيًا وإصابة مئات خلال الحرب.
كما ذكرت الغارديان أن متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة وصل إلى 4.23 دولار للغالون في 29 أبريل، وهو أعلى مستوى منذ 2022، بسبب مخاوف مضيق هرمز، بينما ارتفع خام برنت إلى 114.60 دولارًا للبرميل.
وبسبب هذه الأرقام، لا تقف تكلفة العودة للحرب عند ميزانية البنتاغون، لأن المستهلك الأمريكي يدفع جزءًا من الفاتورة في محطة الوقود والسفر والغذاء، بينما تستخدم المعارضة الديمقراطية الحرب لربط إدارة ترامب بتفاقم تكاليف المعيشة قبل انتخابات التجديد النصفي.
في هذا السياق، تقدم ليندا بيلمز، الباحثة في كلفة الحروب بجامعة هارفارد، معيارًا مهمًا لقراءة الفاتورة الطويلة، إذ قدرت في أبحاثها أن رعاية محاربي حروب ما بعد 11 سبتمبر قد تكلف بين 2.2 و2.5 تريليون دولار حتى 2050.
وتوضح هذه المقارنة أن رقم 25 مليار دولار يمثل بداية محاسبية لا نهاية سياسية، لأن كل جندي مصاب وكل قاعدة متضررة وكل ذخيرة مستهلكة يخلق التزامات لاحقة، وقد تظهر هذه الالتزامات في موازنات المحاربين القدامى والصحة والدين العام بعد سنوات.
ومن زاوية السياسة الخارجية، يحذر تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي والباحث المعروف في شؤون إيران، منذ سنوات من أن خيار الحرب مع إيران يفتح باب تصعيد إقليمي لا تستطيع واشنطن ضبطه بسهولة، وهو تحذير يزداد وزنًا مع توسع الكلفة الحالية.
وأخيرًا، تكشف فاتورة الـ25 مليار دولار أن العودة للحرب لن تكون قرارًا عسكريًا معزولًا، بل شيكًا مفتوحًا على حساب الأمريكيين والمنطقة، لأن ترامب يستطيع إعلان الضربات خلال دقائق، لكنه لا يستطيع منع تراكم الكلفة على الوقود والجنود والميزانية والاستقرار العالمي.

